التفكير ليس ممنوعًا (٢٢) | هل من أمل؟
Oct 30, 2021 305
980 79

التفكير ليس ممنوعًا (٢٢) | هل من أمل؟

انقضى العصر الذي كانت فيه تفرض الدول والحكومات على شعوبها، ما ينبغي أن يسمعوه، وما لا ينبغي أن يقرأوه؛ فقد كانت طباعة الكتب والمجلات يتم تداولها تحت رقابة الدولة، وكان الراديو والتليفزيون الأبيض والأسود من مؤسسات الدولة كذلك، التي تتحكم في توجيه الفكر والرأي العام لشعوبها وفقاً لسياساتها.

 

وكنا كذلك نتلقى التعليم في الكنيسة طبقاً لما يرويه لنا الأساقفة والقادة المنوط بهم مهمة التعليم اللاهوتي والكنسي، وكنا نفهم باليقين أنهم علماء الدين وحافظي أسراره، وأن كلامهم لا يأتيه الباطل من أي جانب، ولا يُشك فيه، ولم يخطر على بال أي واحد منا أن يتأكد مما يقولونه؛ فالمراجع المحدودة المتاحة كانت نسخة طبق الأصل مما كان في عقولهم ويرددونه، وقد رسخوا في عقولنا أن الكنيسة التي ينطقون بلسانها قد استلمت عن الرسل الإيمان والتعليم الذى تسلسل منهم إلينا من خلال تسلسلهم الرسولي، وأن هذا الذى يسلمونه لنا هو بعينه الإيمان المسلم من الرسل. (يه ١: ٣)

 

كانت كتابات الآباء الأولين المتاحة باللغة العربية غاية في الندرة؛ فقد ترجم القس مرقص داوود عن الإنجليزية كتابي تجسد الكلمة والرسالة إلى الوثنيين للقديس أثناسيوس، وكانت مذكرات طلبة الإكليريكية للأنبا غريغوريوس في اللاهوت العقيدي تحوي ردود القديس أثناسيوس والقديس كيرلس على أريوس ونسطور ومذكرات أخرى لأباء ما قبل نيقية، وانتهى الأمر عند هذا الحد.

 

في خمسينيات القرن العشرين أحضر أحد أتقياء الأقباط مجموعة كاملة لأقوال آباء ما قبل وما بعد نيقية إلى دير السريان، فعكف على دراساتها والاستفادة منها والنشر المتنيح القمص متى المسكين، التي واجهت كتبه حملات من التشكيك من أصحاب السلطة الكنسية آنذاك.
 

 

كانت فكرة واستنارة من الروح القدس، التي فكر فيها أستاذنا التقى الدكتور نصحى عبد الشهيد أن أحضر لنا مُدرساً لتدريسنا اللغة اليونانية في بيت التكريس هو الاستاذ صموئيل كامل عبد السيد، الذى سرعان ما بلغت الفكرة لأبونا متى المسكين؛ فكان يُعد للأستاذ كامل عبد السيد سيارة تَقِلهُ أسبوعياً لدير أبو مقار، لتدريس اللغة اليونانية للرهبان، وكانت النعمة والتوفيق يحالفان الدكتور نصحى عبد الشهيد، فقد نجح في إرسال مجموعة ممتازة من الشباب الإكليريكي إلى اليونان، لدراسة الدكتوراة في لاهوت الآباء باللغة اليونانية، وواكب هذا ثورة المعلومات وانتشار الانترنت وشغف الكثيرين من الشباب الأقباط لدراسة لاهوت الآباء، وخلال فترة لا تتجاوز الثلاثة عقود، كان قد صار عندنا عشرات من الدكاترة الذين درسوا لاهوت الآباء في جامعات اليونان، وغيرها، ومن الذين درسوا أون لاين، والذين اطلعوا على كتابات الآباء عبر الانترنت باللغات الأجنبية المعاصرة، وكذلك ترجمات عديدة لكتابات الآباء، وقاموا بنقل التراث الآبائى إلى اللغة العربية، وكما تغطي المياه الجزائر بعد الجفاف، امتلأت الساحة العربية من الترجمات الآبائية في مصر وسوريا ولبنان، مع أعداد كبيرة من الدارسين والباحثين في كتابات الآباء.

 

انتهى بذلك عصر احتكار رجال الكنيسة الرسميين للتعليم، كما انتهى عصر احتكار الدول للثقافة التي كانت تحد بها فكر شعوبها من جرّاء انتشار المعرفة من خلال الانترنت والستالايت، وكانت الصدمة المروعة التي لم يفق منها بعد رجال الكنيسة الذين احتكروا التعليم وقالوا للرعية أن هذا هو الإيمان المسلم من الرسل القديسين للكنيسة.

 كشفت دراسات وترجمات كتابات الآباء الأولين عن أن هؤلاء المعلمين، كانوا يتناقلون لاهوت الغرب في العصور الوسطى، الذى نقلته الإرساليات الأجنبية التي أتت إلى الشرق، والذى لا يمت بصلة إلى الآباء الرسل، ولا إلى الإيمان المُسلّم مرة من القديسين، ولا إلى حق الإنجيل، بل أن ما يعرفونه، وما يقدمونه للشعب الخاضع المسكين هو نسخة من المسيحية، قد أتلفتها الصهيونية والماسونية، ثمرةً لحركة الاختراق والتهويد النشطة التي قاموا بها ضد مسيحية الإنجيل والآباء، ليحققوا حضوراً، واستعادة للناموس وتشريعات التوراة التي أبطلها المسيح بوصيته الجديدة وإنجيل الحياة، ليكتشف جميع الدارسين، ويشهدون أن ما لُقّن لهذا الشعب من تعليم طوال العقود الخوالي؛ لم يكن أبداً الإيمان المُسلّم من القديسين، بل كان وما يزال هو المسيحية المتهودة.

 

 بعد هذا الطرح الواضح لحقيقة الأمور، هل من أمل للنجاة؟ واستعادة الكنيسة إلى حق الإنجيل وتعليم الآباء القديسين!؟

أظن أن الأمل صار سهلاً ومتاحاً لأبناء هذا الجيل، الذين صارت كتابات ودراسات الآباء متاحة لهم بوفرة، أكثر من كل الأجيال السابقة التي لم تتح لها هذه الفرصة؛ الأمر متوقف على أمانة وشجاعة الذين درسوا وتعلموا الحق أن يقودوا ركب الثورة والتغيير والتجديد اللاهوتي لمجد الآب والمسيح.


 

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "التفكير ليس ممنوعًا" اضغط عالرابط التالي

https://anbamaximus.org/articles/ThinkingNotForbidden.php