Jul 31, 2020 366
980 79

في مثل الفعلة في الكرم؛ يقول رب المجد: أن صاحب الكرم خرج مع الصباح ليستأجر فعلة لكرمه؛ وأرسلهم للعمل في الكرم بإتفاق أن يدفع أجرة لكل واحد دينارا؛ وهي الأجرة المتوافق عليها للعامل في يومه ؛ ولكنه خرج بعد ذلك عدة مرات الي السوق في منتصف النهار وفي عصره و حتي قرب نهايته ؛فوجد عمالا بلا عمل فأرسلهم أيضا إلي كرمة ؛بإتفاق أن يعطيهم ما يستحقون من أجر طبقا لعدد ساعات العمل ؛ ولكنه وقت الحساب بدأ بالمتأخرين جدا و أعطاهم دينارا كاملا عن ساعة عمل واحدة! وهكذا دفع بالتتابع من المتأخرين إلي الأولين و دفع لكل دينارًا ؛ فلما وصل إلي المجموعة التي إستأجرها أول النهار؛  أعطاهم دينارًا واحدا كذلك حسب الاتفاق ! 

فإحتج الذين أتوا أولا أنهم عملوا ساعات أكثر ؛إلا أن صاحب العمل ذكرهم بأنهم لم يظلموا في شيء ؛ لأنه كان بينهم إتفاق عادل علي دينار و قد أوفي بالإتفاق ! أما إعطاءه دينارا للآخرين الذين لم يعملوا ساعات مثلهم؛ فهذا ليس ظلما لهم؛ ولكنه إحسان وصلاح نحو آخرين قال له:" يا صاحب ما ظلمتك؛ أما إتفقت معك علي دينار؟ فخذ الذي لك إذهب!
أم أن عينك شريرة لأني أنا صالح ؟!

المثل يذهب إلي مغزي عميق في فهم محبة الله و أمانته مع الإنسان المظلوم ليعوضه برفع الظلم عنه ؛ ففي سياق المثل سأل صاحب الكرم العمال المتأخرين : لماذا وقفتم بطالين طوال النهار بدون عمل ؟ فأجابوه : لم نجد أحد يستأجرنا طول النهار! إذا فتبطلهم عن العمل لم يكن كسلا و تهاوناً ؛ بل أسباباً خارجة عن إرادتهم ؛ وبالتالي فقد وقع عليهم ظلم من سوق العمل؛ سينسحب بالسلب علي دخل يومهم و إحتياجات أطفالهم ؛ ومن هنا كانت مراحم صاحب الكرم الذي يمثل في المثل عدالة الله ومحبته أن يرفع عنهم الظلم بالتعويض أن أعطاهم أجر اليوم كاملا ؛ فهو ما ظلم الاولين؛ولكنه أحسن إشفاقا علي الآخرين.

الفكرة العميقة الاخري التي يثيرها هذا المثل هي عجز المنطق الإنساني الأناني عن تغطية كل جوانب الحقيقة  في أحكامه علي جوهر الأمور ؛ فيصدر أحكاماً ظالمة علي ماهو صالح؛ وهذا تماما هو تعريف الإدانة: فالإدانة هي أن يصدر الشخص أحكاماً هو غير مخول بها و غير مؤهل لإصدارها : ومن ثم كانت خطية الإدانة تطاولا علي سلطان من له حق الدينونة؛ وظلما للآخرين و ربما تجريحاً وإساءة أيضاً؛ لعدم معرفه خفايا الحقائق ؛ وأيضا ربما كانت تذنيباً لبرئ! وهذه بذلك مكرهة الرب !

لذلك فالقاضي الذين يحكم بناء علي التحقيق و الشهود ونصوص القانون ؛ بالإدانة علي المخطئ ؛ فهو يحكم بعدل و هذا واجبه و سلطانه أن يحكم و يدين بالقانون ؛و إلا لصار هو أيضا مكرهة الرب ؛لأنه يبرئ المذنب!

وهكذا يوبخ الوحي ويعنف الراعي الذي لا ينذر الشرير : " يا شرير موتا تموت !"  فعمل الراعي للتوبيخ وإشهار الشر وإدانته واجب وليس خطية إدانة لانه لا يقوم علي الظن أو الحقد بل علي الحق وكلمة الله .

ونعود مرة أخري إلي المثل لنري المفارقة بين الحكمة البشرية القاصرة المتفزلكة بمنطق إنساني معوج بغرض!( تعبنا أكثر من هؤلاء) بالمقارنة مع الله المُحبة ( أريد أن أُعطي لهذا أيضا) التي لخصها المثل في عبارته الختامية " أم أن عينك شريرة ؛ لأني أنا صالح"

إذا لم أقم بدوري المكلف به من الله ؛بأن أشهد علي الشر و تخريب كنيسة المسيح وإدانة للشر وتحذير منه و مِن مَن يصنع الشر ؛ وحماية للنفوس وللصغار من سيادة الشر ومنعه من أن يستشري ؛ أكون غير أمينًا علي الشهادة للحق و خدمة إنجيل المسيح و كنيسته!

أن يتصادم دوري كخادم لحق الإنجيل مع قناعات البعض أو مصالحهم؛أو عينهم الشريرة
فهذا لايعنيني في شيء ولا أقيم له وزنًا ؛ فلو كنت أرضي الناس لم أكن بعد عبدا ليسوع المسيح " أم أن عينك شريرة؛ لأني أنا صالح"!

وستكشف الأيام ببساطة ووضوح ؛ من الذي كان يتكلم بسلطان الله وكلمته معلناً حقه وعدله و أمانته ؛ و من الذي كان يشوش علي عمل الله ؛ كعليم الساحر الذي حاول أن يفسد الوالي سرجيوس بولس عن الإيمان الذي كان بولس الرسول يبشره به!