قامت الديانةُ اليهوديّةُ (العهدُ القديمُ) على أساسِ التوراةِ والشريعةِ، والشريعةُ بطبعِها كالقانونِ؛ لا قوّةَ لها بدونِ العُقوبَةِ. فالعُقوبَةُ هي قوّةُ القانونِ وسلطتُه، ومن ثَمَّ فقد ارتبطت شريعةُ موسى النبيّ في العهدِ القديمِ بحتميّةِ فكرةِ العُقوبَةِ. ولأنَّ الأنبياء لا يأتون من أنفسِهم، بل مُكلّفين من الله، فقد ارتبطت رسالتُهم وتشريعُهم باسم الله، ومن ثَمَّ فقد ارتبطت فكرةُ العُقوبَةِ بالقدرة الإلهيّة. وهكذا استقرَّ في ضمير الإنسانِ فكرةُ العُقوبَةِ الإلهيّةِ كحتميّةٍ لمخالفةِ الشريعةِ. ولأجل تغليظ العُقوبَةِ، فقد توقَّع الإنسانُ أن تكون عُقوبَةُ مخالفةِ الشريعةِ أبديّةً مثل أبديّةِ الله، ومن ثَمَّ توقَّع البشرُ جهنّم النارَ شواءٍ أبديّ.
الحقيقةُ الإنجيليّةُ أنَّ جهنّم كانت موجودةً في أيامِ المسيح، وليست ستكون في الأبديّة؛ فكلمةُ "جهنّم" مركبةٌ من مقطعين: "جي-هنوم"، وهي كلمةٌ عبريّةٌ معناها بالعربيّة "وادي هنوم". فوادي هنوم أو وادي ابن هنوم هو موجودٌ في سفح الجبل الذي بُنيت عليه أورشليم، وكانوا يُلقون فيه نفاياتِ المدينةِ والحيواناتِ الميتةِ من أعلى الجبل. وعندما تراكمت النفاياتُ في الوادي وتصاعدت رائحتُها أضرموا فيها النيران، ولأنهم يُلقون نفاياتِهم كلّ يومٍ، فإن النارَ ظلّت مستعرةً في الوادي ليلًا ونهار، وتُرى بالعيان لكلِّ الصاعدين إلى أورشليم، ومن ثم صارت تشبيهًا للنار المستعرة التي تحرق الأشرار (نفاية البشريّة). فصار الناس في الأجيال اللاحقة يتوارثون فكرةَ أن جهنّم عقوبةٌ أبديّةٌ من الله في الآخرة للإنسان.
الإنجيلُ استخدم التعابيرَ والتشبيهاتِ المتداولةَ في عصرِ المسيح، ولكن لا يوجد نصٌّ واحدٌ في الإنجيل يقول بأنّ الله هو من يُلقي الناسَ في جهنّم النار، بل على العكس يؤكّد الإنجيل:"... خَافُوا مِنَ الَّذِي بَعْدَمَا يَقْتُلُ، لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ..." (لو 12: 5)؛ أي إبليس، لأن الآب السماويّ ليس قتالًا ولا يقتل. وهكذا يُنسب العهد الجديدُ سلطانُ الموتِ إلى إبليس وليس إلى الآب السماويّ: "فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ،" (عب 2: 14)؛ لذلك استخدم المسيح التعبير "يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ" – بالمبني للمجهول – في إشارة إلى إبليس الذي يُلقي الروحَ والجسدَ كليهما في جهنّم.
فالإنجيلُ يرى أنّ الإنسانَ قد صار في الموت بسبب غواية إبليس له بالخطيئة، وأنه إذا ظلّ خاطئًا ومات في خطاياه؛ فإنّه سيبقى في قبضةِ إبليس وفي قبضةِ الموتِ إلى أبد الآبدين. وأن الله الآب قد أرسل نوره (ابنه) في الجسد ليُنير كلّ إنسانٍ (يو 1: 9) بنور الحياة: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ." (يو 8: 12). ومن ثمَّ فالمسيحيّةُ مؤسسةٌ على فكرةِ إعطاء الحياةِ لبشريّةٍ ترزحُ تحت الموت، وليس كاليهوديّةِ التي تقومُ على فكرةِ معاقبةِ مخالفِ الشريعةِ بالموتِ والنار؛ فالإنسانُ الخاطئ في نظر الإنجيلِ هو إنسانٌ مائتٌ بالخطيئة وقد عاقب نفسَه بثمرة (أجرة) الخطيئة التي هي الموت (رو 6: 23).
التأديبُ في العهدِ الجديدِ هو احتجابُ نعمةِ الله عن الإنسانِ المُعاندِ والمُصرِّ على الخطيئةِ، فيقع في يدِ إبليس لكي يرى ويختبر أن طاعةَ الشرير تؤدي إلى الشقاءِ والألمِ والمرارة، ربما يكون ذلك وازعًا له للتوبةِ والرجوعِ إلى حضن الآب السماويّ، ليس أنّ الآب المحب هو الذي يضرب أبناءه بالمرضِ والتجاربِ والآلامِ: "لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: «إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ»، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا. وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ." (يع 1: 13-14).
القاهرة
١ فبراير ٢٠٢٦
لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "لاهوت العهد الجديد" اضغط على الرابط التالي:
https://anbamaximus.org/articles/NewTestamentTheology