رأيٌ في الأحداث (٨٥) | القَمعُ والتَّنويرُ
Feb 05, 2026 7
980 79

رأيٌ في الأحداث (٨٥) | القَمعُ والتَّنويرُ

لماذا يُعيدُ التاريخُ نفسَه؟ لأنّ الناسَ لا يقرؤون التاريخَ، وإن قرؤوه لا يستوعبون دُروسَه، وإن فرضَ التاريخُ دُروسَه على بني البشر، فإنهم يهربون من مواجهةِ عبرةِ التاريخِ وصوتِ الواقعِ إلى التفكيرِ الماضوي بالأحلامِ والذكرياتِ والأماني.
واحدةٌ من السماتِ المشتركةِ عند المتدينينَ -على تنوّع دياناتِهم- أنهم يقتاتون على مثاليةِ وحيويةِ وأمجادِ فترةِ هبوطِ الرسالةِ والتبشيرِ بها بين الناس، بكيفيةٍ تَسبي خيالَهم إلى الصورةِ الماضويّةِ، بعد تجريدِها من الواقعيةِ التي عاصرت البدايةَ إلى المثاليةِ المزيّفةِ التي تُنكرُ حقيقةَ البدايةِ وحقيقةَ الواقعِ، بدعوى أن الماضي كان جميلًا، وأن شخوصَه لا يُشبهون بشريتَنا. لعلهم يجدون في الاحتماءِ بالماضيِ سبيلًا للخروجِ من مواجهةِ الحاضرِ.
على الرغمِ من أنّ الواقعَ البشريَّ دائمُ التغيّرِ والتجديدِ والنموِّ، تبعًا لنموِّ العقلِ الإنسانيِّ وتقدّمِ البشريةِ وإحرازِها لخبراتٍ وعلومٍ واكتشافاتٍ متجددةٍ، إلا أن البعضَ من أهلِ الدينِ يرون في الجمودِ عن التطورِ شكلًا من التقوى واقتداءً بالقديسينَ والأسلافِ الصالحينَ، غير متنبهينَ إلى أنَّ هذا الجمودَ الماضويَّ في الدينِ غيرُ قادرٍ على أن يحدَّ حريةَ حركةِ العقلِ الإنسانيِّ، ولا تمردَ الشبابِ على محاولةِ إلزامِ عقولهم المستنيرةِ بالحضارةِ والتطورِ بماضي الأقدمين، ومِن ثَمَّ يغادرون الدينَ بجملتهِ إلى فضاءِ اللا دينَ، أو الإلحادِ بحثًا عن الحريةِ وإعمالِ العقلِ.
بعضُ القادةِ يفضلون ألَّا يتحملوا وزرَ النهايةِ المحتومةِ لسفينةٍ يقودها ربابنةٌ يؤمنون بأنَّ الشراعَ والمجدافَ هما الوسيلتانِ المأمونتانِ للإبحارِ، وأنَّ كلَّ الأساليبِ الحديثةِ غيرُ مأمونةِ الجانبِ، بينما يفضل آخرون الالتجاءَ إلى القمعِ السلطويِّ لإيقافِ حركةِ التاريخِ دون جدوى، ودون استفادةٍ من تجارب البشرِ وغيرهم من الشعوبِ.
لا يختلفُ اثنانِ على أنَّ الثورةَ الإسلاميةَ في إيران قد مارست على الإيرانيينَ أقصى درجاتِ القمعِ الدينيِّ باسمِ الدينِ، والنتيجةُ التي أعلنها محمد أبو القاسم دولابي - الذي يعمل كحلقةِ وصلٍ بين إدارةِ إبراهيم رئيسي والمعاهد الدينية في إيران - عن أسفه لقلةِ أعدادِ المُصلّينَ، وقال إنَّ هذه الأرقامَ تمثل "اعترافًا مثيرًا للقلقِ" لدولةٍ مبنيةٍ على مبادئ الإسلام، وإن حصيلةَ الدينِ في إيران أدّت إلى تركِ الناسِ للدينِ، وشدّد على إضعافِ التدينِ في المجتمعِ، وبالتالي إضعافِ شرعيةِ حكومةٍ تحكمُ بالإملاءاتِ الدينية. وقال: "عندما ينظر الناس إلى مخرجاتِ الدينِ، فإنهم يقررون الدخولَ في الدينِ أو تركَ الدينِ"، وأنَّ الأسبابَ تشمل "إذلالَ الناسِ باسمِ الدينِ"، "وتزوير المفاهيمِ والتعاليمِ الدينيةِ"، "وحرمان الناسِ من الحياةِ الكريمةِ وخلقَ الفقرِ باسمِ الدينِ". وهذا أدى إلى أن حوالي 50 ألفَ مسجدٍ من بين 75 ألفَ مسجدٍ في إيران مغلقةٌ، مما يدلُّ على تراجعِ أعدادِ الإيرانيينَ الذين يؤمنون بالصلاةِ.
المصدر
فهل حياةُ الإيمانِ تؤكدُ وتحترمُ حريةَ وعقلَ الإنسانِ، أم أنَّ الإنسانَ قد غابت عنه بوصلةُ الحريةِ والحقيقةِ؟

القاهرة
٥ فبراير ٢٠٢٦

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "رأيٌ في الأحداث" اضغط على الرابط التالي:
https://anbamaximus.org/articles/Ra2yFeElahdath

Powered By GSTV