لاهوت العهد الجديد (٣٨) | أَرَدتُ وَلَمْ تُرِيدُوا!
Jan 23, 2026 1
980 79

لاهوت العهد الجديد (٣٨) | أَرَدتُ وَلَمْ تُرِيدُوا!

على الرغم من أن سِفْرَ أيُّوب، الذي كُتِبَ في العِبْرِيَّةِ كَقصيدةِ شِعْرٍ مليئةٍ بالاستعاراتِ والكِنَاياتِ، قد حاولَ شرحَ فكرةِ شكايةِ الشيطانِ على الإنسانِ بطريقةٍ تصويريَّةٍ استعاريةٍ، إلَّا أنَّ الموروثَ اليهوديَّ– حتى هذا اليوم – فَهِمَها وصَدَّرَها إلينا كأنَّ الشيطانَ يستصدرُ مِنَ اللهِ تصريحًا له بإيقاعِ الشرِّ بالإنسانِ!

تلاميذُ المسيحِ – له المجد – يُعَبِّرون عن الموروثِ اليهوديِّ: بأنَّ الشرورَ تَحِلُّ بالبشرِ كعقوبةٍ إلهيَّةٍ على خطاياهم، فيسألون المسيحَ عن المولودِ أعمى: "مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟" (يو ٩: ٢)؛ إلَّا أنَّ الربَّ يُجيبُ بطريقةٍ حاسمةٍ مانعةٍ بالرفض، قائلًا: "لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ..." (يو ٩: ٣). أمَّا أعمالُ اللهِ التي ستظهرُ فيه بأن أعمل أعمالَ أبي (يو ٩: ٤)، فهي أن أفتحَ عيني الأعمى ليبصرَ النور.

وعلى الرغم من أنَّ المسيحَ قد أكَّد أنَّه يعملُ أعمالَ الآبِ: "أعمالًا كثيرةً حسنةً أريتُكم مِنْ عندِ أبي..." (يو ١٠: ٣٢)، فكان يجولُ يشفي المرضى ويفتحُ أعينَ العميان ويحرِّرُ المتسلطِ عليهم من إبليس؛ "... لأجلِ هذا أُظْهِرَ ابنُ اللهِ لكي يَنْقُضَ أعمالَ إبليسَ." (١ يو ٣: ٨)، إلَّا أنَّ كثـيرًا من الخُدَّامِ والمعلِّمين المسيحيين ينسبون الشرَّ والمرضَ والكوارثَ إلى سَماحِ اللهِ بها، وكأنهم ينسبون إلى الله: إمَّا الضعف الذي لم يستطع به منعَ ومقاومةَ الشرِّ فسَمَحَ به؛ أو اشتراكَ اللهِ نفسه في الشرِّ، ولذلك يَسمَحُ به.

لا توجد إشارةٌ واحدةٌ في العهدِ الجديدِ إلى فكرةِ "سماحِ اللهِ بالشرِّ"؛ بل على العكس نقرأ في رسالةِ يعقوبَ: "لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: "إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ"؛ لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا." (يع ١: ١٣).

فالشرُّ لا يحدثُ بسماحٍ مِنَ الله، بل بالمعاندةِ والمقاومةِ لمشيئةِ الله: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ المُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا." (مت ٢٣: ٣٧-٣٨)؛ فالخرابُ والشرُّ هما مِنْ عملِ الخطيئةِ والشريرِ والإنسانِ للذين رفضوا إرادةَ اللهِ الصالحة، وذهبوا وراءَ إرادةِ الشرير، وليس بسَماحٍ من الله.


القاهرة
٢٣ يناير ٢٠٢٦

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "لاهوت العهد الجديد" اضغط على الرابط التالي:
https://anbamaximus.org/articles/NewTestamentTheology

Powered By GSTV