رأيٌ في الأحداث (٨١) | مُلحدون يُواجِهون آلهةً تقتل!
Jan 15, 2026 13
980 79

رأيٌ في الأحداث (٨١) | مُلحدون يُواجِهون آلهةً تقتل!

انتهى الزمانُ الذي كنّا نُصفِّقُ فيه أطفالًا ليَشوعَ بنِ نون، وهو يقتلُ أطفالَ أريحا بدمٍ باردٍ، وبتفويضٍ من الإلهِ الواحدِ الجبّارِ الذي نعبده ونُسبِّحُ باسمه في كنائسِنا؛ فقد خرج من بين صفوف المؤمنين المُسبِّحين مَن يرفع رايةَ عصيانِ العقل، رافضًا قبولَ التناقضِ الصارخ بين إلهٍ يأمر بذبحِ الأطفال (يش 6: 21)، والإنسانِ ابنِ الإله الذي يُعلِّم بمحبةِ الأعداء والمسيئين (مت 5: 44).

قادة ثورةُ الإصلاحِ، الذين ثاروا على ديكتاتوريةِ الكنيسة، باسم الإلهِ المُحبّ الذي لم يعُد للحبّ معنى ولا صورة في كنائسِه؛ تحوّلوا بعد نجاح ثورتهم، إلى ديكتاتوريةٍ أكثرَ قسوةً ونعومة. فبينما حرّر لوثر الإنسانَ من انفرادِ الكهنة بقراءةِ الكتاب المقدّس، جاء جون كالفين، حليفه المنشقّ عليه، ليُعيد القمعيّةَ والدمويّةَ لإلهٍ قتلَ أطفالَ أريحا، باسم وحدانيّةِ الإله الذي يأمر بالقتل وذبح الأطفال في القديم، ثمّ يأمر بمحبةِ الأعداء في الجديد؛ مُساويًا بين وحيِ العهد القديم (يُحرِق أطفالَ المذبوحين)، ووحيِ العهد الجديد (يحملُ الصليبَ موتًا من أجل الآخرين).

الكتابُ المقدّس ليس كتابًا واحدًا كما يدّعون، بل كتابان لعهدين وديانتين مختلفتين: الأولى كانت تُعلن مملكةَ إسرائيل على الأرض سيفًا وذبحًا واستيلاءً على نساءِ وأطفالِ الآخرين (عدد 31: 15–18)، بينما مملكةُ المسيح في عهده الجديد ليست من هذا العالم، بل هي مملكةُ الله على الأرض والسماء: "لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ، لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ" (مت 6: 10).

وكونُ الكتاب المقدّس في عهده القديم يذخرُ بنبوّاتٍ كثيرة عن مسيحِ السلامِ والمحبة الذي أتى بعهده الجديد، لا يعني أنّ المسيح لم يُغيِّر الناموسَ والكهنوتَ القديم بناموسٍ وكهنوتٍ جديدين؛ إذ يقول: "لأَنَّهُ إِنْ تَغَيَّرَ الْكَهَنُوتُ، فَبِالضَّرُورَةِ يَصِيرُ تَغَيُّرٌ لِلنَّامُوسِ أَيْضًا" (عب 7: 12)، بل قد غيَّر وكَمَّل الناموسَ الذي لم يُكمِل شيئًا (عب 7: 19).

إنّ خلطَ الأوراق، واختراقَ اليهوديّة للمسيحيّة، ووضعَ رقعةٍ عتيقة على ثوبٍ جديد، هو ما أثمرَ انشقاقَ ثوبِ الكنيسة، وخروجَ ملايينِ الشباب منها إلى خارجها؛ رفضًا لازدواجيّةِ المعايير، والجمعِ بين القديم والجديد في منظومةٍ كتابيّةٍ متناقضةٍ مع ذاتها، ومع العقلِ الإنساني، دون فهم عبارةِ المسيح: ما جئت لأنقض القديم، بل لأكمله. فالكنيسةُ التي نعرفها، قد علمنا آباؤها أن نقرأ القديم بعيون الجديد، ونقبل ما يتّسق مع الجديد، أمّا ما لا يتّفق معه فقد عتق وشاخ، أو صار تاريخًا نافعًا للتعليم والتوبيخ الذي في البرّ.

فإذا كان جون كالفين قد أعطى لنفسه الحقَّ أن ينشقّ على مارتن لوثر، الذي شاركه الثورة على البابا؛ فبأيّ منطقٍ يريدون أن يجعلوا من كالفين ديكتاتورًا فكريًّا ولاهوتيًّا، يضع رقعةً من القديم على الثوب الجديد الذي جدّده المسيح بدمه، باسم وحدةِ الكتاب المقدّس؟ إنّ وحدةَ الكتاب المقدّس هي تجديدُ القديم بالجديد، وتكميلُ القديم بإنجيلِ المحبةِ والخلاص؛ وإلّا فالبديلُ هو تمدُّدُ ثورةِ العقولِ والشباب على ازدواجيّةِ المعايير: محبةُ الأعداء وذبحُ الأطفال!

القاهرة
١٦ يناير ٢٠٢٦

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "رأيٌ في الأحداث" اضغط على الرابط التالي:
https://anbamaximus.org/articles/Ra2yFeElahdath

Powered By GSTV