كورس في البدء كان الكلمة | المحاضرة الخامسة عشر | الماء الحي
Nov 05, 2025 3
980 79

كورس في البدء كان الكلمة | المحاضرة الخامسة عشر | الماء الحي

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد الذي له كل المجد إلى الأبد، آمين.
أهلًا بكم جميعًا في محبة المسيح. هذه هي المحاضرة الخامسة عشرة من قراءتنا ودراستنا لإنجيل القديس يوحنا، وموضوعها "الماء الحي".

مقدمة: الماء الحي والمرأة السامرية
سنبدأ بالمناسبة التي استُخدِم فيها هذا التعبير، وهي لقاء المسيح مع المرأة السامرية. جلس الرب عند البئر وطلب منها قائلًا: «أَعْطِينِي لأَشْرَبَ» (يوحنا 4: 7). فأعرضت عنه المرأة مستنكرةً وقالت: «كَيْفَ تَطْلُبُ مِنِّي لِتَشْرَبَ، وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا امْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ؟» (يوحنا 4: 9)، وذلك لأن اليهود كانوا لا يتعاملون مع السامريين. هذه هي النقطة الأولى، وهي العداء والكراهية.

فأجابها المسيح قائلًا: «لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ اللهِ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا» (يوحنا 4: 10). عندئذ طلبت منه قائلة: «يَا سَيِّدُ أَعْطِنِي هذَا الْمَاءَ، لِكَيْ لاَ أَعْطَشَ وَلاَ آتِيَ إِلَى هُنَا لأَسْتَقِيَ» (يوحنا 4: 15).
وهنا نقلها الرب إلى النقطة الثانية بقوله: «اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ إِلَى ههُنَا» (يوحنا 4: 16). فأجابت: «لَيْسَ لِي زَوْجٌ». فقال لها المسيح: «حَسَنًا قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ، لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ، وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ» (يوحنا 4: 17-18).

روح الشهوة مقابل العطش للحب الحقيقي
بدأ الحديث عن الكراهية، ثم انتقل إلى الجزء الثاني المتعلق بـروح الشهوة، حين طلب منها أن تدعو زوجها وهي ليس لها زوج. وبما أننا استعملنا مصطلح "روح الشهوة"، فمن المهم توضيح الفرق بين كلمة "شهوة" كما وردت في قول المسيح: "شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ" (لوقا 22: 15)، وبين الشهوة المذكورة في: "كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" (متى 5: 28).
ففي اللغة الإنجليزية، يوجد فرق بين "desire" أي الرغبة القوية، و"lust" أي الشهوة النجسة التي هي من روح إبليس. لهذا، لا يصح أن نصف الزواج بأنه "شهوة مقدسة"، على عكس ما قاله بعض المعلمين الأفاضل، وربما حدث هذا الخلط لأنهم كانوا رهبانًا.
إن هذه المرأة كانت متعطشة للحب، وعطش الإنسان للحب ليس خطيئة، بل هو الصورة التي خُلق عليها الإنسان: «نَخْلُقُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا» (تكوين 1: 26)، "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ" (تكوين 1: 27). خُلق الإنسان متعطشًا للحب الحقيقي الذي هو الماء الحي، أي الروح القدس. وشرح القديس أثناسيوس أن الإنسان خُلق متجهًا نحو الابن الكلمة، وفيه الروح القدس، فكان عطشه للحب مرويًا بالروح القدس. لكن الإنسان فقد الروح القدس، ففقد تيار الحب، فضلله الشرير وأخذه إلى روح الشهوة.
لقد تعلمت من خلال سماع الاعترافات أن الشيطان يروي الناس بروح الشهوة بدلًا من الحب. فالغريزة هي الميل نحو الآخر، وقد خُلقت لتُفعَّل بالحب الذي في الروح القدس، لذلك فإن سر الزواج من الله، ليصير الاتحاد بين الرجل والمرأة على مثال اتحاد الكنيسة بالمسيح. أما الانحراف فهو أن هذه الغريزة صارت تُفعَّل بالروح الشرير، أي بروح الشهوة، حيث استبدل الشرير الحب باللذة النجسة.

بديل اللذة: فرح الروح القدس وابتهاج الجسد
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل للعلاقة الزوجية بديل عن هذه اللذة؟ نعم، بديلها هو فرح الروح القدس. والسر هو أن فرح الروح القدس عندما يغمر الإنسان، فإنه يغمره روحًا ونفسًا وجسدًا. فبديل الشهوة هو الحب، وبديل اللذة هو ابتهاج الجسد بالروح القدس. فاستبدال روح الشهوة بالمحبة التي في الروح القدس ينتج عنه ابتهاج الجسد.
وهذه المرأة هي نموذج صادق للإنسان العطشان للحب، ولكنه تاه وضل طريقه من الحب إلى الشهوة واللذة، فبحث عن إشباع هذا العطش مع رجال كثيرين فلم يجده. ولهذا السبب انتقى القديس يوحنا هذه القصة ليقدم لنا هذا المفتاح: المسيح اختار إنسانًا متعطشًا للحب، لكنه ضل طريقه نحو الشهوة.

الماء الحي: الروح القدس ومحبة الله
قال لها المسيح: من يشرب من ماء هذا العالم، أي ماء الشهوة، يعطش أيضًا، فهو لن يرويكِ بالحب. لكنه هو من يعطي الماء الحي. هنا كشف المسيح السر: "لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا" (رومية 5: 5). فعندما يأتي إليكِ الروح القدس، تأتي إليكِ محبة الله، ومعها حياة الله. كما قال المسيح: "كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي" (يوحنا 6: 57).
فلكي يختبر الإنسان محبة الله التي بالروح القدس، عليه أن يرفض اللذة التي من إبليس ويستبدلها بالمحبة التي في الروح القدس، والتي تثمر ابتهاج الجسد. عندما ينسكب الحب الذي يوحدنا بالمسيح فينا، تصير فينا حياة ابن الله، وهذا ما يمنع الإنسان من العودة إلى بئر الشهوة ليشرب منه.

الانتصار على الشهوة بناموس روح الحياة
لماذا يُهزم الناس أمام الشهوة؟ لأنهم لا يشربون من ماء الروح القدس. كان إنسان العهد القديم عاجزًا عن تطبيق الشريعة، لأن روح الله كان قد فارق الإنسان، وهذا هو السقوط. لكن اليوم، لكي ننتصر على روح الشهوة، يجب أن نشرب من الروح القدس أولًا. هذا ما أوضحه الرسول بولس بقوله: "لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ" (رومية 8: 2). ناموس روح الحياة هو محبة الله المنسكبة في قلوبنا بالروح القدس.

قبول الروح القدس: بين الختم والعلاقة الشخصية
نحن نعمّد الأطفال لأن الرب قال: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ" (لوقا 18: 16). وقد رأى القديس غريغوريوس النزينزي تأخير معمودية الطفل حتى يبلغ ثلاث سنوات ليتمكن من الإجابة، رغم أنه لا يزال غير مدرك.
في صلاة المعمودية، يُستخدم تعبير "ختم عطية الروح القدس". الختم هو الروح القدس نفسه، وليس شيئًا ماديًا منفصلًا عنه. الطفل الذي يُختم بالروح القدس في المعمودية، عليه عندما يكبر ويعي أن يقبل الروح القدس. أعلم أن هذه التعبيرات قد لا تتسق تمامًا مع نصوص العهد الجديد التي تستخدم "امتلأوا" و"قبلتم"، لكنني أميّز بينها للشرح. قبول الروح القدس يعني إنشاء علاقة شخصية معه مبنية على حرية الإرادة والقرار. فهو كان في شركة مع الروح القدس من خلال الختم، لكن بقبوله يدخل في مستوى آخر من الشركة، ومن هنا تبدأ رحلة الامتلاء من الروح القدس. الروح القدس شخص، ولذا يجب أن تقبله بطريقة شخصية، أقنومًا لأقنوم.
يقول الكتاب: "خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ، الَّذِي هُوَ عُرْبُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى" (أفسس 1: 14). هذا الختم هو عربون ميراثنا إلى أن يتم فداء أجسادنا. فرحلة الامتلاء بالروح القدس تبدأ في هذا الدهر وتمتد إلى الدهر الآتي بطريقة لا نهائية، لأن الروح القدس غير منتهٍ.

حلول الروح القدس في جسد المسيح
كان هناك جدل حول سُكنى الروح القدس فينا. لكن الإجابة التي تعلمتها لاحقًا هي أن الروح القدس يحل في جسد المسيح، ونحن أعضاء في هذا الجسد. لهذا يقول الكتاب: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟" (1 كورنثوس 3: 16). نحن نتحد بالروح القدس من خلال جسد المسيح، تمامًا كما نتحد بالابن الكلمة من خلال جسده في الإفخارستيا. نحن نُؤلَّه بالنعمة بسبب اشتراكنا في جسد المسيح. فالروح القدس يسكن فينا لأننا اتحدنا بجسد المسيح الممجّد الذي يملؤه الروح القدس.

كيف يحل الروح القدس في الإنسان؟
أجاب القديس كيرلس الأورشليمي على هذا السؤال موضحًا أن النفس (أي الروح) تخلص أولًا بواسطة الكلمة. فعندما نقبل الكلمة بطاعة الإيمان، فإن الروح القدس يخترق أرواحنا أولًا. ثم، "إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ" (رومية 8: 13)، فتمتد حياة الروح القدس إلى النفس والجسد. وكلما قمنا بإماتة رغبات النفس والجسد، يملأنا الروح القدس ويتسيد على كياننا، حتى نصل إلى قول الرسول بولس: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غلاطية 2: 20).

كيف ننمو في الشركة مع الروح القدس؟
تبدأ الشركة مع الروح القدس بختم المعمودية، ولكن للنمو فيها يجب:

  1. تجديد الذهن: وهو تجديد عهد قبول المسيح والموت معه الذي أُخِذ في المعمودية، ودعوة الروح القدس ليسود على كياننا.
  2. كلمة الإنجيل: "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً" (كولوسي 3: 16). كلمة الإنجيل هي كلمة المسيح التي فيها الإعلان الكامل.
  3. التوبة الفورية: عند صدور أي خطأ، يجب الاعتذار والتوبة فورًا حتى لا نحزن روح الله القدوس: "وَلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ" (أفسس 4: 30).
  4. طاعة الروح القدس: وهي الانقياد لإرشادات الروح القدس في الحياة اليومية، مثل تجنب مكان أو علاقة ما. "لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ" (رومية 8: 14).
  5. الصلاة الدائمة: لأن الآب يعطي الروح القدس للذين يسألونه (لوقا 11: 13). كما قال أبونا متى المسكين: "المسيح يريد أن يعطي الروح القدس كل حين"، وهذا يتطلب صلاة كل حين.
  6. احتمال الألم وحمل الصليب: "إِنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَطُوبَى لَكُمْ، لأَنَّ رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ" (1 بطرس 4: 14).
  7. المحاسبة اليومية: في نهاية كل يوم، يجب تنقية النفس مما دخل إليها ضد الروح القدس، لكي يستريح فينا.

قضية انبثاق الروح القدس
حدث الانشقاق الكنسي عام 1054م بين الكنيستين الشرقية والغربية بسبب خلاف سياسي تم التعبير عنه لاهوتيًا. أضافت كنيسة روما على قانون الإيمان عبارة "والابن"، ليصبح "المنبثق من الآب والابن". لكن قديسين مثل أثناسيوس وباسيليوس الكبير وكيرلس عمود الدين استخدموا تعبير "منبثق من الآب في الابن"، وهذا هو الحل الذي قد يكون مرضيًا للجميع.

خاتمة: أهمية مواهب الروح القدس للكنيسة
إن كنيسة بلا مواهب لا يمكنها أن تشهد لمجد المسيح أو أن ترعى شعبها. لقد برهن المسيح على نفسه بأعماله قائلًا: "إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فَلاَ تُؤْمِنُوا بِي" (يوحنا 10: 37). والكنيسة أيضًا تبرهن على ربوبية يسوع بالأعمال التي تعملها بقوة الروح القدس، كما قال: "مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا" (يوحنا 14: 12).

ليُحمِّس الرب قلوبنا جميعًا لنسير في رحلة الارتواء من الروح القدس، والشركة الحقيقية، والامتلاء به وبمواهبه.
وأما الآن، فلتكن محبة الله الآب ونعمة الابن الوحيد وشركة الروح القدس تكون وتدوم مع جميعكم في المسيح يسوع، آمين.

 


عنوان المحاضرة القادمة "رأينا مجده"
 

Powered By GSTV