نسبية الشريعة والإنسان:
Jun 24, 2022 24
980 79

نسبية الشريعة والإنسان:

هل المسيحية؛ يهودية آمنت بأن يسوع الناصري هو المسيح المنتظر؟ أم أن المسيحية: ثورة وانقلابًا كاملاً على اليهودية؟!

بعيدًا عن عملية تهويد الفكر المسيحي المنظمة- التي أؤكد من خبرتي الطويلة أنها مدفوعة الأجر وبدعم سياسي- فإن القراءة البسيطة والمباشرة للإنجيل تقودنا الي أن كتبة الأناجيل من تلاميذ المسيح استشهدوا بنبوات أنبياء اليهود للبرهنة لهم على أن يسوع الناصري هو المسيح المنتظر والمُتنبأ عنه بالأنبياء.

 أما يسوع المسيح نفسه فقد استهل خدمته (في مت٥) بالموعظة على الجبل التي قرر في مطلعها أنه لن يهدم (ينقض) الشريعة (الناموس) ولكنه سيكملها! ثم يقرر العهد الجديد بعد ذلك: أن الشريعة (الناموس) لم يكمل شيئًا (عب١٩:٧)، ولنترك شرح الرسالة إلى العبرانيين جانبًا مؤقتًا ونذهب إلى شرح المسيح له المجد نفسه لما هو التكميل الذي قصده في نفس الاصحاح (مت٥) لنجده يقدم تعليمًا مختلفًا عما قدمته الشريعة: فهو لم يهدم الشريعة القديمة فقد قيل للقدماء لا تقتل؛ أما هو فلم يقل: "لا بل أقتل!" لكنه ذهب إلي الأكمل: فلا تقتل، ولا تغضب ظلما أيضًا (مت٢١،٢٢:٥)، ولا تزني وأيضا لا تشتهي (مت٢٨،٢٧:٥).

 لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد من التكميل بل ذهب إلى إعلان الحق الكامل في مواجهة ضعف الشريعة الموسوية (من أجل قساوة قلوبهم) فقد قيل للقدماء: تبغض عدوك (مت٤٣:٥) "أما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم" فلو كانت كل وصايا الشريعة هي وحي الروح القدس ووصايا الآب السماوي؛ لما أمكن أن يغير الابن القدوس أقوال أبيه؛ ولكن وقد غير وبدل الكثير جدًا مما كان في الشريعة القديمة.

فلابد أن كل ما بُدِل هو من موسى بسبب قساوة قلوبهم (مر٥:١٠) وليس من الآب السماوي؛ حتى أن تحديه للقديم بالجديد بلغ ذروته في هذه المواجهة : "موسى في الناموس أوصانا: أن مثل هذه ترجم" (يو٥:٨) لكنه بدّل رجم الزانية بخلاصها وتجديد حياتها.

لم يذكر الإنجيل عن المسيح أنه عمل بالشريعة ولا مرة واحدة! ولما قالوا: أنه لا يحفظ السبت؛ أجابهم: "أن ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا" (لو٥:٦)

إن قراءة العهد الجديد بغير عيون التهويد - التي عميت عن أن تدرك كل هذه الأمثلة التي أوردناها كقليل من كثير- تكشف كيف أن الناموس كان ضعيفًا (رو٣:٨) بالجسد وأنه "لم يكمل شيئًا" (عب١٩:٧) وأن هذا كان تشريع موسى: بسبب قساوة قلوبهم (مر٥:١٠)

ففيما قصد التهويديون: الإبقاء على القديم كأساس وأن يجعلوا من المسيح له المجد - رب الشريعة والسبت - تكملة للبناء على الأساس القديم الذي اضمحل وشاخ (عب١٣:٨)؛ فإن العهد الجديد يعلن الحق: أنه لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذي وُضِعَ الذي هو يسوع المسيح (١كو١١:٣)؛ وأن التكميل الذي قصده المسيح له المجد في (مت٥) هو ما شرحه بالتفصيل وبالأمثلة التطبيقية في نفس الاصحاح: هذا هو ما قيل بالشريعة (الناموس) للقدماء؛ وبالمقابل هذا هو تعليمي الكامل؛ فلن تبغض عدوك فيما بعد، بل أحبوا أعدائكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم.

"لو كان بالناموس بر فالمسيح مات بلا سبب!" فإذا كان الناموس لم يكمل شيئًا ولا صنع براً (عب١٩:٧، غل٢١:٢) فأين يقع في العهد الجديد، النص الذي يقولون به: أن المسيح جاء ليتمم مطاليب الناموس؛ بينما لم تذكر الأناجيل عن الرب أنه خضع للشريعة مرة واحدة!

كيف يمكن المقارنة بين وصية المسيح له المجد أحبوا أعداءكم وبين ما تصفه شريعة موسى النبي في سفر التثنية (تث٢٠) وفي يشوع بن نون:

أن قرية هانئة من الفلاحين الوثنيين يحل عليهم جيش المؤمنين الموحدين العرمرم: فيقتل الرجال ويسبي النساء والأطفال وينهب أرضهم ومواشيهم؛ وهل سيحمل هؤلاء الأطفال وأمهاتهم الأسرى أي رغبة في الإيمان أو حتى أن يسمعوا سيرة هذا الإله الذي أمر بتشريد أسرتهم المسكينة واستعبادها لحساب المؤمنين الموحدين بهذا الإله!

هل مازلتم لا تشعرون بالخجل من هذا التاريخ؟ وهل مازلتم ترونه مقدسًا ومن عند الإله خالق الأكوان، وخالق غير المؤمنين به!

لابد أن يقتني المؤمنين بالمسيح النور الحقيقي في قلوبهم وعقولهم ليدركوا به: أن الكلمة النبوية التي لم تأت بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس شيء؛ وأن التشريع الموسوي لشعب عاش في عصور متخلفة حضاريًا وإنسانيًا شيءٌ آخر؛ قال عنها المسيح له المجد: موسى أوصاكم من أجل قساوة قلوبكم!

فإذا كان العهد القديم يشكل بالنسبة إلينا، خلفية تاريخية ونبوية حتمية لفهم الكون والتاريخ والإنسان؛ فإن العهد الجديد يقدم لنا رؤية مغايرة تمامًا عنه! تتبلور  هذه الرؤية في استعادة الإنسان إلى صورة الله ومحبته.