Oct 31, 2021 259
980 79

التفكير ليس ممنوعًا (٢٤) | الصهيونية مقابل الإنجيل!

نستطيع أن نميز بوضوح في كتابات الآباء الشرقيين أن التاريخ المسيحي في الكنيسة الجامعة، يحسم موقف الكنيسة المسيحية من إسرائيل، بأن الكنيسة المسيحية هي إسرائيل الجديد، وأنها حلت محل إسرائيل القديم في كل الوعود والبركات التي تكلم بها الروح القدس في أنبياء العهد القديم؛ وأن الكنيسة المسيحية تقبل العهد القديم بعيون العهد الجديد، أي أنها تقبل من العهد القديم النبوات الخاصة بالمسيح له المجد وما عدا ذلك، فلابد أن يكون مقبولاً ومتسقاً مع العهد الجديد، وإلا فهو تاريخ نافع للعبرة والتعليم.

على الجانب الآخر فإن التاريخ يشهد أيضا بأن ما قام به مارتن لوثر هو فقط إعادة اكتشاف العهد القديم وإطلاق حرية قراءة الكتاب المقدس للمؤمنين، ولا تُنسب إليه إطلاقاً التفسيرات التي أتت لاحقاً بعد انقسام حركة الإصلاح في مؤتمر مارمبرج بألمانيا، اختلافاً حول حقيقة سر القربان المقدس.

معروف تاريخياً أيضاً أن الحركة الصهيونية العالمية نشأت في بريطانيا على أيدي سياسيين مسيحيين متدينين، فيما وراء حركة الإصلاح والانبثاقات الخارجة منها، وهم الذين دافعوا عن عودة الشعب اليهودي المشتت إلى أرضه التي غادرها "أورشليم" والأرض المحيطة بها، وهي فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، التي صرح أحد أفراد عائلة روتشيلد اليهودية شديدة الثراء على التليفزيون الأمريكي وسمعته ورأيته بعيني وأذني يقول: أننا نحن الذين دفعنا إلى الحكومة البريطانية مقابل الموافقة على تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين وعلى أثر ذلك صدر وعد بلفور.

فالحركة الصهيونية نشأت أولا بين المسيحيين بناء على قناعة بحتمية تحقيق وعود الرب للشعب القديم بعودتهم إلى أرضهم "اِسْمَعُوا كَلِمَةَ الرَّبِّ أَيُّهَا الأُمَمُ، وَأَخْبِرُوا فِي الْجَزَائِرِ الْبَعِيدَةِ، وَقُولُوا: مُبَدِّدُ إِسْرَائِيلَ يَجْمَعُهُ وَيَحْرُسُهُ كَرَاعٍ قَطِيعَهُ" سفر إرميا (31 :10)، وهذه القناعة كانت مبنية على فهم آخر عندهم هو أن المسيح لن يعود ثانية إلا إذا عاد إسرائيل إلى أرضه أولاً، وقد صرح أحد أقطابهم أن الصهيونية المسيحية أقوى من الصهيونية اليهودية التي ظهرت لاحقاً بعد الصهيونية المسيحية؛ ربما يفسر لكم هذا السرد التاريخي مكانة إسرائيل في سياسة الغرب.

الأجيال الجديدة نشأت متغربة عن لاهوت الآباء الأولين، وما حدث في شرقنا العربي، أن قرار الخليفة الأموي عبد الملك ابن مروان، بتعريب الدواوين، كان قد أجهز تماماً بسبب تغيير اللغة، على أي شكل من أشكال ارتباط المسيحيين بجذورهم ولاهوت آبائهم، وأن حركة الطباعة فيما بعد إحضار نابليون بونابرت للمطبعة مع حملته سنة ١٧٩٨م، انتشرت من خلالها المطبوعات التي حملتها وترجمتها البعثات التبشيرية المتأثرة تأثراً واضحاً لا ينكره التاريخ بالصهيونية المسيحية، ولا يستطيع أن ينكره مسيحيو الطوائف التي نشأت بسبب هذه الحملات التبشيرية، وهو بعينه الذي تَشَرَّبَهُ بغير وعي كثيرون من الأقباط في مصر الذين لم يكن أمامهم ما يقرأوه بالعربية غير هذه الكتب.

نشأت الأجيال الجديدة على ما أرادته الصهيونية المسيحية للمسيحية: -

  1. أن الإنجيل (العهد الجديد) صار مضافاً إليه التناخ اليهودي (التوراة، النبييم، الكُتبيم) باسم العهد القديم، على ما هو عليه طبقاً للموروث اليهودي، ضرباً بعرض الحائط، تعليم الآباء الأولين: قراءة القديم بعيون الجديد، وأن الكنيسة المسيحية حلت محل الشعب القديم وأنها إسرائيل جديد
  2. نشر المسيحية المتهودة التي تؤمن "بالتناخ" كحق كامل إلى جوار الإنجيل، بل أن الإنجيل ينبغي أن يُفهم بناء على معطيات المفهوم اليهودي (العهد القديم).

 

تم ترجمة وطباعة عشرات التفسيرات التي تبرر حق اليهود في سلب أراضي الآخرين على أنه تأديب من الله لهذه الشعوب الشريرة من ناحية؛ وأنه استعادة لليهود لأرضهم وحقوقهم من ناحية أخرى، وكذلك صيغت ونشرت النظريات اللاهوتية التي تخلوا من نص واحد من الإنجيل، وتأسست على معطيات ومفاهيم العهد القديم، للاهوت المسيحي ومعنى الصليب والفداء ...الخ

إذا لم يكن هذا هو التاريخ، فليواجهونا بالحقيقة طبقاً للتاريخ! وإذا كان هذا هو التاريخ والحقيقة فلماذا لا يريدون العودة إلى إنجيل المسيح الذي ليس بأحد غيره الخلاص بدون التناخ اليهودي ومشهوداً له من الأنبياء.
يتوهم الكثيرون كما خدعوهم، أن الكتاب المقدس الذي بين أيديهم بعهديه القديم والجديد، قد تسلمته الكنيسة المسيحية من الرسل القديسين! والحقيقة هي أن هذا الكتاب المقدس الذي بين أيدينا؛ أُضيف فيه التناخ اليهودي (العهد القديم كما أسماه المسيحيون) إلى العهد الجديد في مجلدٍ واحد (فعلياً كانوا ثلاث مجلدات) سنة ١٤٥٥ م في مطبعة جوتنبرج - الذي اخترع الطباعة - في ألمانيا، وأن أقدم المخطوطات التي وردت إلينا من القرون الأربعة الأولى كانت تضم العهد الجديد وحده!

كثيرون لم يكونوا يعرفون المعلومات الواردة بهذا المقال؛ وأظن أن بعد كشف هذه الحقائق سيكون الجميع مسئولين عن إهدار حق الإنجيل الذي اجتهدت الصهيونية أن تطمسه بإلصاق التناخ اليهودي به، رغم تحذير الرب الواضح "أن قيل للقدماء (أي التناخ): أما أنا فأقول لكم (أي الإنجيل)" متى ٢١:٥

"لأَنَّهُ الْوَقْتُ لابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ اللهِ. فَإِنْ كَانَ أَوَّلًا مِنَّا، فَمَا هِيَ نِهَايَةُ الَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ اللهِ؟" ١بط ١٧:٤ 

 

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "التفكير ليس ممنوعًا" اضغط عالرابط التالي

https://anbamaximus.org/articles/ThinkingNotForbidden.php