Oct 20, 2021 305
980 79

التفكير ليس ممنوعًا (١٥) | حرُيتي!

ما يميز الإنسان بأنه إنسان، أنه ذو روح عاقلة قادرة على الإبداع، وعلى إتخاذ القرار، الذي يغير الواقع ويخلق واقعاً جديداً لم يكن موجوداً؛ فالمخلوقات غير العاقلة تتصرف بردود أفعال ثابتة، ومتشابهة، وغير متجددة؛ ومن ثم فإن العقل هو قاطرة الإرادة، والإرادة هي التعبير الخلاق عن العقل، ومن ثم فأننا نستطيع أن نقول مجملاً أن ما يميز عقل الإنسان عن باقي المخلوقات هو الإرادة العاقلة.

 

فإذا أمكن تعطيل حركة إرادة الإنسان أو حريتها، تصبح حكمة الإنسان والعدم سواء، وتعطيل الإرادة أو إلغائها لا يأتي من القيود الخارجية التي توضع عليها،  فلرُبَ إنسان توضع عليه قيوداً تقيد حركة رجليه، فلا يستطيع أن يروح أو يجئ، لكن قوة الإرادة التي تشع من روحه ومن عقله تستطيع أن تخترق أسوار السجن أو المنفى، وأن تهب الإنارة والتغيير لبلد أو لعالم بأكمله.

 

الإنسان الخائف من وجود الأسد في الطريق، يظل حبيساً داخل بيته بغير سجان، ولكن الذي حبسه وقيد إرادته هو الخوف من الخطر. فإذا كان هذا الخطر حقيقياً، فإن الإنسان غير الخائف سيتخذ لنفسه درعاً ورمحاً، يتحدى بهم الأسد الرابض في الطريق، دون أن يغامر بحياته، لكنه ينتصر على الخطر لتحقيق إرادته الحرة.

 

فالذي يجعل الإنسان مقيداً ليست هي السلاسل التي تقيد يديه ورجليه، ولكنها هي القناعات التي تشل حرية وحركة إرادته من المنبع، فلا يستطيع من الأساس أن يفكر في الحرية ولا في اتخاذ القرار، لأن العقل صار مقيداً بالقناعات، والروح صارت مربوطة بالقيود التي تستعبدها وتشل إرادتها.

وهذا هو الفرق الجوهري بين المنهج الذي ذهبت إليه الشريعة مع الإنسان؛ بالمقارنة مع المنهج الذي انتهجه الإنجيل مع نفس الإنسان؛ أن الشريعة أرادت أن تُقَّوم اعوجاج إرادة الإنسان، فثقلته بأحكام الشريعة الذي هو من الأساس غير متسقاً معها بإرادته المريضة، ولكن بسبب الخوف من العقوبة التي تفرضها الشريعة على الإنسان المخالف، فإن الإنسان إما أن يسعى بإرادة مريضة مهزومة لطاعة الشريعة، فلا يستطيع! أو أن يندفع إلى الازدواجية؛ ففي الظاهر يُرى اتساقاً مع الشريعة، وفي الباطن تعجز إرادته المهزومة عن إتيان الشريعة؛ أنها مشكلة الدهور والسنين بين القادة والأنبياء والمصلحين، وبين الواقع العميق للإنسان الذي مرضت روحه وعجزت إرادته المقيدة عن أن تأتي الصلاح.

 

المنهج الذي ذهب إليه الإنجيل هو شفاء النفس والروح، وتحرير الإرادة من القيود؛ ففيما أصدرت الشريعة أوامرها للإنسان: أصنع الصلاح؛ كان برنامج الإنجيل أن يجعل الإنسان صالحاً؛ أي أن يغير جوهر روحه وعقله من حالة فساد وانهزام الإرادة إلى تجديدها وإحيائها من جديد، فيصبح الصلاح نتيجة تلقائية وطبيعية وبدوافع داخلية نابعة من الإرادة الجديدة.

 

الشريعة أمرت الإنسان الجائع والمحتاج أن لا يسرق؛ بينما كان منهج الإنجيل أن يسدد احتياجه أولاً، ثم يطلب منه أن يكون أميناً ثانياً؛ وهذا هو ما قدمه المسيح بصفته أنه كلمة الله الأزلي الظاهر في جسد إنساني، أن فيه الحياة الإلهية القادرة أن تشفي روح الإنسان من مرضها، وإرادة الإنسان من عجزها وموتها، وهذا هو الأساس الذي قام عليه الإنجيل: القوة الفائقة التي يهبها المسيح لشفائه وتحريره من القيود أولاً حتى، وقبل إعطائه الوصية ثانياً.

 

مشكلة الإنسان الحقيقية أنه يولد بروح نقية نابضة بالحياة، ولكن مجتمع البشر مُقيدي الأرواح ومُكبَلي العقول ينقلوا إليه بالتربية والقدوة والتعليم والمحاكاة سائر القيود التي تقيد عقولهم والأمراض التي تمرض أرواحهم، بداية من الخوف والانهزامية وأمراض وعيوب الشخصية  إلى منطق الأنانية والكراهية والرفض والغضب والتسلط والاشتهاء، وسائر أنواع القيود التي تقيد روحه وإرادته في سجن داخلي عميق، يطلق عليه الإنجيل: الخطايا.
"
ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح بالنعمة أنتم مخلصون­" (أفسس ٢ : ٥)

 

استطاعت الشريعة أن تضع إطاراً انضباطياً للمجتمع والعلاقات، ولكنها لم تنجح في تحرير عقل الإنسان وإرادته من القيود المُكبلة لهم من داخله، ومن ثم فقد صارت الوصايا الإلهية الصالحة وهقاً وحملاً ثقيلاً غير مستطاع لإنسان مريض الروح ومقيد العقل والقلب؛ فعبارة "أنا إنسان ضعيف وغير قادر على طاعة الوصية" التي يتنادى بها الناس ببساطة، هي شهادة مؤسفة عن روح مريضة وعقل وإرادة مقيدين، وليست مبرراً لحالة القيود كما يظنون، بل هي إقرار لحالة العبودية العميقة لجوهر الإنسان.

 

إن عمل المسيح والخبر المفرح الذي تنقله بشارة الإنجيل، هو أن المسيح أتى ليهب الشفاء والحرية لإرادة الإنسان وعقله من القيود العميقة التي قُيدت بها إرادته وحريته، حتى صار معنى الحرية بالنسبة له، أن يستغرق في عمل الشر الذي يعطيه لذة وقتية، فيما يُحكم الشر خناقه وقيوده على روحه وعقله، فتصير روحه وإرادته من قيود إلى قيود، ومن إذلال بالقيود إلى مزيد من القيود والإذلال وسحق الإرادة.

 

لهذا قال المسيح علانية، أنه يهب حرية العقل والإرادة للإنسان، طبعاً لمن يشاء ويطلب منه.

 

"فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً." (يوحنا ٨ : ٣٦)

 

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "التفكير ليس ممنوعًا" اضغط عالرابط التالي

https://anbamaximus.org/articles/ThinkingNotForbidden.php