رأيٌ في الأحداث (٨٤) | الحريةُ ومِحنةُ الإنسان
Jan 29, 2026 2
980 79

رأيٌ في الأحداث (٨٤) | الحريةُ ومِحنةُ الإنسان

صارَ القانونُ (أو الشريعةُ) هو أداةُ البشريةِ لضبطِ سلوكياتِ المجتمعِ الإنساني، ولوضعِ حواجزَ تحميها السلطةُ؛ لحمايةِ الحقوقِ والأعراضِ والمَلكياتِ الشخصيةِ من تعدي الآخرينَ عليها؛ حتى يسودَ السلامُ والاستقرارُ الاجتماعيُ في العلاقاتِ.

لكن، لماذا صارتِ الشريعةُ عبئًا وثِقلًا ضابطًا على حريةِ الإنسانِ، ولماذا يصرخُ ويئنُّ البشرُ جميعًا -بأشكالٍ متنوعة- من أن الشرائعَ تُقيّدُ حريتهم وتمنعهم من التمتعِ بالحريةِ الشخصيةِ! الأمرُ الذي عبر عنه الشاعرُ الفرنسيُّ جاك بريفير بعبارته: "أبانا الذي في السماوات، أبقِ فيها"!

لقد مضى الزمانُ الذي كانتِ الشرائعُ مؤيدةً بالسلطةِ، تجرّمُ الإنسانَ الذي يثورُ عليها ويرفضها، وجاء الزمانُ الذي ينبغي أن يتفهمَ فيه أهلُ الدينِ والسلطةِ الأسبابَ التي تجعلُ الإنسانَ رافضًا للدينِ والشرائعِ والسلطةِ!

إما أن السلطةَ تقولُ بغيرِ ما تفعلُ فتفقدُ مصداقيتَها، أو تفقدُ نزاهتَها وعدالتَها، أو أن الشرائعَ تتناقضُ مع واقعِ ورغباتِ الإنسانِ، ومن هنا تصيرُ الشرائعُ والقوانينُ مُقيّدةً لحريةِ الإنسانِ. ثم إن اللجوءَ إلى العنفِ وتغليظِ العقوبةِ يستفزُّ مع الوقتِ الثورةَ دون أن يُحقّق للقانونِ أو الشرائعِ ما يُريدون.

وبيتُ القصيدِ -برأيي- الذي لا ينبغي أن يغفلَ عنه أهلُ السلطةِ وأهلُ الدينِ؛ هو أن الفكرَ والثقافةَ التي تغلغلت في عقولِ البشرِ ثم في سلوكياتهم؛ صارت هي الأقوى كدوافعَ باطنيةٍ وظاهرةٍ تجعل الإنسانَ يرى أن حريتَه تسيرُ في اتجاهٍ معاكسٍ للشريعةِ أو القانونِ. هذا الاتجاهُ المُعاكسُ للشريعةِ يُسمِّيهِ رجالُ الدينِ "الشر"، بينما يُسمِّيهِ رجالُ الفلسفةِ "الأنانية"، ثم يُسمِّيهِ الآخرون "المصلحة".

لماذا يرفعُ الثوارُ دائمًا شعارَ الحريةِ، وتتجمعُ حشودُ الناسِ والشبابِ حول حلمِ الحريةِ والثورةِ، ولكن ما يحدثُ على مدى التاريخِ هو: بعد نجاحِ الثورةِ واستيلائها على السلطةِ وتربعها على كرسيِّ الحكمِ؛ فإنها على الفورِ تستأنفُ قمعَ حريةِ الشعوبِ التي كانت تتنادى بها. لأن الثورةَ فجرت الحريةَ، والحريةُ أخرجت وعبرت عما في كوامنِ النفسِ البشرية، فخرج إلى العلنِ والواقعِ كلُّ ما فيها من الشرِّ والرغباتِ والأنانيةِ.

ليس الحلُّ -برأيي- في تغييرِ الوزارةِ ولا أنظمةِ الحكمِ، وليس هو إلغاءَ القانونِ أو الشريعةِ، ولكن الحلَّ يبدأ بتجديدِ كِلا الطرفينِ معًا: الشريعةِ والإنسانِ. أما الشريعةُ فمن غير المعقولِ أو المقبولِ أن يتمسك رجالُ الدينِ بشريعةٍ وُضِعت قبل آلافِ السنينِ؛ يفرضونها على الإنسانِ المُعاصرِ بشعارِ أن الشريعةَ صالحةٌ لكل زمانٍ ومكان، أو أن تكونَ الموروثاتُ الدينيةُ قد انكشفت أنها كانت تجهلُ قواعدَ الفيزياءِ والطبيعةِ والكونِ الذي صارَ معروفًا الآن للإنسانِ.

أما العنصرُ الحقيقيُّ الذي سيحدثُ به التغييرُ: فهو الإنسانُ نفسه؛ فلا فائدةَ من وضعِ شرائعَ –مهما كانت جيدةً وإيجابيةً ومنطقيةً ومعاصرةً– لإنسانٍ أنانيٍّ ونرجسيٍّ، لا يرى إلا مصلحتَه ورغباتِه؛ فلا بد أن تكونَ البدايةُ من إعادةِ بناءِ الإنسانِ بالثقافةِ والتربيةِ والمدرسةِ. فبناءُ مجتمعٍ ناجحٍ ومتكاملٍ سيحتاجُ إلى إعادةِ النظرِ وتحديثِ القوانينِ والشرائعِ من ناحيةٍ، وإلى إعادةِ بناءِ الإنسانِ وتثقيفه بطريقةٍ تحقق الحريةَ ويستطيعُ أن يعيشَ من خلالها حرّيتَه وإنسانيتَه، وليس حريةَ أهلِ السلطةِ، وقمعيةَ الشرائعِ وأهلِ الدينِ.


بنسلفانيا – أمريكا
٢٤ يناير ٢٠٢٦

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "رأيٌ في الأحداث" اضغط على الرابط التالي:
https://anbamaximus.org/articles/Ra2yFeElahdath

Powered By GSTV