Sep 30, 2021 111
980 79

حينما يحدث نزاع بين طرفين على حقوق مسلوبة، فإن الطرف المُتأذي يستطيع أن يلجأ إلى المحكمة والقضاء لاسترداد حقوقه، هذا في حالة إذا كان الوضع متحضراً؛ أما في الأحوال غير المتحضرة، فإن الناس يلجؤون إلى قتال بعضهم، سواء أكان هذا على المستوى الفردي والتشاجر، أو كان هذا على المستوى الجماعي والحروب.

ولكن إذا كان الأمر لا يحتمل أو من غير المناسب اللجوء إلى القضاء مثل: الخلافات العائلية والمشادات الشخصية، فإن البعض ينشأ عنده إحساساً بالظلم أو بالقهر أو حتى بالاعتداء أو السلب غير المبرر؛ فتنشأ بداخله الرغبة في الانتقام؛ والجرح الذي يؤدي إلى رغبة الانتقام غالبا ما يكون مصدره الإحساس بالحاجة إلى إنفاذ العدالة على من ظَلم، بصفة أن الآخر يرى نفسه مظلوماً، فيما لا يعتذر الظالم، ولا يرد الظلم الذي حدث منه؛ وهذا هو في المجمل توصيف بذور البغضة وعدم الغفران عند الكثيرين.

هذا الإحساس السلبي بالبغضة والرغبة في الانتقام من الآخر، يفوته حقيقتين أساسيتين:

- أولاً: أن من يصنع ظلماً أو شراً، لابد أن يحصد أجرة خطيئته، فما يزرعه الإنسان فإياه يحصد أيضًا؛ ومن هنا فإن الشخص الذي يظلم ولا يرد المسلوب أو يسئ ويتعالى عن الاعتذار عن الإساءة، هو في الحقيقة إنسان جاهل بالتاريخ وبقواعد الحياة، لأن شره سيرتد عليه بالحتم كنتيجة تلقائية مثل قوانين الطبيعة والجاذبية الأرضية، هذا بخلاف أن من يصنع الشر سيقع تحت سلطان الشرير (إبليس) الذي سيفتري فيه على النحو الذي نراه كل يوم في أخبار الحوادث والمصائب.

- ثانياً: بحسب كلمات المسيح الصادقة الأمينة: "كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين
." (متى ١٢ : ٣٦) – "في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح." (رومية ٢ : ١٦)
وهذا معناه بطريقة قاطعة واضحة أن من يصنع شراً سيحصده في هذه الحياة،  وأن دينونة العدالة الأخيرة ستعطي كل واحدٍ حسابٍ أمينٍ عن ما ظلم به وكذلك ما ظُلم به.

ومن هنا يكون إحساس الجرح والغضب والبغضة هو فخ خادع وبلا طائل؛ لأنه لن يرد مسلوباً ولن يحقق العدالة المفقودة للإنسان المجروح والمظلوم، هذا فضلاً عن أن إحساس الجرح والظلم سيظل ينهش سعادته وفرح قلبه، ويضعه تحت سلطان الشرير، كما ستصيبه أمراض ونتائج الأحزان؛ بينما العدالة ستفرض أمرها، والشرير والظالم سيُدانان على ظلمهم حتى لو كانت كلمة بطالة!

هذه هي قوانين العدالة التي تسري على جميع البشر، فهموها أو لم يفهموها، توقعوها أو لم يتوقعوها، كما تسري قوانين الطبيعة على الجميع بغير استثناء. فكم يكون غباء الإنسان الذي يضيع عمره في الجرح والغضب وعدم الغفران، ويطفئ فرح ونار الروح القدس في داخله ويعيق شركته مع حياة المسيح ومحبته؛ على الرغم من أن العدالة ستقضي له وستعوضه في حينه وترد مسلوبه، وتدين كل كلمة بطالة.

 

لهذا أرسى المسيح له المجد قواعدًا جديدةً في تعليمه، مختلفة تماماً عن ما اعتاد عليه البشر من مواجهة الشر بشرٍ مماثلٍ (عين بعين وسن بسن)، حتى صار الانتقام والانتقام المتبادل حتى الحروب والفناء والصراع بين الأفراد والعائلات، هما سمة الحياة الإنسانية البائسة القلقة؛ فما من أحد بغير خطيئة، أكانت عمداً أو كانت غباءً أو ضعفًا.

القواعد المسيحية الجديدة تقوم على:
- تبصير المخطئ بخطأه؛ بتوبيخ الأخ الأكبر لأخيه الأصغر "
احترزوا لأنفسكم. وإن أخطأ إليك أخوك فوبخه، وإن تاب فاغفر له." (لوقا ١٧ : ٣) أو بالعتاب. "إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك." (متى ١٨ : ١٥)

-إذا لم يستمع للعتاب؛ فاستعن بإخوة حكماء لإدارة العتاب. " وإن لم يسمع، فخذ معك أيضا واحدا أو اثنين، لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة." (متى ١٨ : ١٦)
- إذا رفض هذا وذاك، فمن حقك أن تلجأ إلى التحكيم (حكم الجماعة، الكنيسة أو حكم المحكمة).

فالمسيح له المجد لم يستهن بجراح الإنسان، ولم يتساهل مع الظلم باسم التسامح كما يردد الذين لم يفهموا بعد ما هو حق الإنجيل؛ ولكنه وضع طريقًا يختلف عن همجية الانتقام والغضب لمقاومة وتقويم الشر في الحياة الحاضرة، والذى لا يلغى دور الاحتكام للكنيسة أو للقضاء، ولا يلغى الدينونة العادلة في يوم القضاء الأخير.

الأذى ليس بالضرورة ظلمًا أو شرًا، ولكنة يمكن أن يكون ناتج عن سوء فهم أو سوء تقدير للأمور أو ضعف من نوعٍ ما في شخصيةٍ ما أو إيمانه...إلخ، من أخطاء التربية والضعفات الإنسانية التي تشملنا جميعًا بدون استثناء. وهذه هي التي يسميها الإنجيل "الزلات"، والتي لا تحتمل إلا اتساع القلب بالمحبة لعلاجها واحتمالها؛ وهذا هو التعبير العملي لمحبة الإنجيل التي يتسلمها المؤمن بالطبيعة الجديدة التي يتعامل بها مع زلات الآخرين المحيطين به.

 

وهنا يُعلم المسيح له المجد: أن من لا يشاء احتمال زلات الآخرين بالغفران والمحبة والصفح يكون قد حجز عن نفسه محبة الله وتحنناته بالغفران والصفح عن زلاته.

    "وإن لم تغفروا للناس زلاتهم، لا يغفر لكم أبوكم أيضا زلاتكم."(متى ٦ :١٥)

 

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "المسيح كما أعلنه الإنجيل" اضغط عالرابط التالي
https://anbamaximus.org/articles/JesusAsTheGospelRevealed.php