Sep 29, 2021 110
980 79

لو كانت هذه المرأة، التي ألتقى بها المسيح عند بئر يعقوب، حينما كان في طريقه عبر السامرة، تعيش في اليهودية؛ لكان مصيرها الإعدام رمياً بالحجارة حتى الموت، طبقاً للشريعة الموسوية (الناموس)، لأنها كانت تعيش مع رجل ليس هو زوجها.

ولكن لو كانت هذه المرأة تعيش في عصرنا هذا، فإن التحليل الإنساني والنفسي لحالتها سيقضي بأنها امرأة مثل كل النساء. ولكنها امرأة مصدومة في جنس الرجال، فقد بحثت عن الحب في محاولات زواج متعددة وفاشلة؛ ولم تجده. ومن ثم تركها الجميع يحرقها عطشها للمحبة وعدم الإحساس بالوجود وبالحياة، فلم تجد الحب، ولم تحقق وجودها، ولم تشعر يوماً بطعم الحياة. وبينما هي إنسانة كسيرة القلب، وتعاني من مأساة إنسانية شأنها شأن الكثيرين، فإن المجتمع المتدين لا يرحمها ولا يشعر بإنسانيتها، بل يحكم عليها طبقاً للناموس: بالموت!

وكان المسيح مع تلاميذه قد وصلوا قبلها إلى البئر، وجلس المسيح ليستريح على سور البئر، فيما ذهب التلاميذ ليبتاعوا طعاماً، حتى أتت هذه المرأة المحكوم عليها بالشقاء.

وفيما بدأت المرأة تُدلي دلوها في البئر، لتملأ جرتها حتى بادرها المسيح بالطلب: "أعطيني لأشرب"؛ لكن المرأة السامرية - التي كان أهلها السامريون في عداءٍ مستحكمٍ مع اليهود – أشاحت عنه، فزيه وملابسه يُفصحون عن إنه يهودي، والسامريون لا يخالطون اليهود! قائلة له: «كيف تطلب مني لتشرب، وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية؟» (يوحنا ٤ : ٩)

لكن حقيقة الأمر أن المسيح لم يكن بحاجة إلى ماء البئر ليشرب، وإنما كان قد عرف بثاقب علمه للمخفيات أن المرأة التي تقف أمامه هي ضحية العطش والشقاء وقسوة الناموس والإنسان؛ وكان في الواقع يريد أن يخرجها من واقعها ومحنتها ويدلها على الطريق إلى الفرح ومحبة الله والارتواء، فأجابها: «لو كنت تعلمين عطية الله، ومن هو الذي يقول لك أعطيني لأشرب، لطلبت أنت منه فأعطاك ماءً حياً». (يوحنا ٤ : ١٠)

 

اندهشت المرأة من كلام هذا الرجل الغريب الذي يخبرها عن ماء جديد لم تسمع به من قبل: الماء الحي!
فسألته بفضول : أعطني يا سيد من هذا الماء الحي، فلا احتاج إلى أن آتي إلى البئر يومياً لأستقي ماء.
فأجابها المسيح: "حسناً، اذهبي وأدعي زوجك؛ فأجابته: ليس لي زوج!"
فأجابها علّام الغيوب: بالصواب أجبتِ، قد كان لكِ خمسة أزواج، والذي لكِ الآن ليس هو زوجك.

 

بُهرت المرأة من حديث المسيح؛ أولاً: لأنه كشف لها ما تُخفيه في صدرها، وتحاول إخفاؤه عن الجميع؛ وثانياً: إنه وضع إصبعه مباشرةً على جرح نفسها العميق الذي لا تجرؤ على البوح به لأحد، ولا تستطيع!
حيث أنها بحثت عن الحب والإرتواء والحياة فلم تجدها عند الإنسان؛ ولا عند الناموس، الذي لو باحت أمامه بجرحها، لباح لها الناموس برجمها.

فنظرت إليه بخشوع وإحترام، وقالت له: "يا سيد، أرى إنك نبي! وهل هناك احتمال أن تكون أنت المسيا؟"، أجابها المسيح: "أنا المسيا، ومن يشرب من ماء هذا العالم وشهوته، يزداد عطشه ولا يرتوي أبداً، ولكن من يشرب من نبع الحياة الذي فيَ (من الروح القدس)، فإن الحياة التي ينالها مني تتفجر داخله كينبوع فائض الإرتواء، بالحب الآبدي وبالحياة الإلهية الفائقة، وبتحقيق وجوده.
«كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضا. ولكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية». (يوحنا ١٤ : ١٣-١٤)

وهكذا كشف المسيح عن حقيقة شخصه، وعن أنه واهب الحياة ومُعطي الروح القدس، الذي به تنسكب محبة الله في قلوبنا. "لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا." (رومية ٥:٥)

 

المسيح له المجد الذي أخبر المرأة السامرية عن سر (الماء الحي) الذي يُحيي به، ويروي به عطش الإنسان إلى المحبة والوجود؛ ما يزال واقفاً ينادي على كل البشر العطاش، أنه يهب الحب والحياة لكل الذين يسألونه وللذين يطيعونه.

"«إن عطش أحد فليقبل إلي ويشرب. من آمن بي، كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهار ماء حي». قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه، لأن الروح القدس لم يكن قد أعطي بعد، لأن يسوع لم يكن قد مجد بعد." (يوحنا ٧ : ٣٧-٣٨-٣٩)


 

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "المسيح كما أعلنه الإنجيل" اضغط عالرابط التالي
https://anbamaximus.org/articles/JesusAsTheGospelRevealed.php