Sep 28, 2021 149
980 79

فهم البعض موقف المسيح له المجد من المرأة المُتلبّسة، التي أُمسكت في ذات الفعل، أنه شفقة لها؛ كما فهم غيرهم عبارة المسيح في الإنجيل التي قرأوها وتداولوها مُجتزأة من النص: "من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً." (متى ٥ : ٣٩) على أنها تساهلاً مع الشر، مع أن الجملة تبدأ بعبارة لا تقاوموا الشر (أي بالشر)، لأن مقاومة الشر بالشر ستضاعف من الشر والانتقام، وبالتالي من الانتقام المضاد إلى ما لا نهاية؛ وهذا هو ما يحدث بالضبط بين العائلات التي تتبادل الثأر بالقتل المتبادل الذي لا يقف عند حداً حتى إفناء العائلتين!

هل كان المسيح مُتساهلاً مع الشر، أم كان متحدياً قوياً للشر والأشرار؟

العقل الإنساني الذي وقع تحت سلطان روح البغضة، والذي نمى في كنف الشريعة وعقوبة القانون؛ لم يعرف طريقاً لمقاومة الشر إلا بالانتقام، ولم يعرف أيضاً طريقاً لاستئصال الشر من جذوره، ولم يسمع من قبل عن شيء اسمه تغيير جوهر وحياة الإنسان؛ لذلك طفح التاريخ من جراء هذا المنطق بأحداث وقصص القتل والانتقام التي انتهت بقتل الأخ لأخيه، والمؤمن لشريكه في العبادة والإيمان.

المسيح لم يتهاون مع المرأة الخاطئة التي أُمسكت متلبسة، لكنه غير حياتها وطهرها من أدناسها فصارت في المسيح خليقة جديدة.

المسيح كان يعلم جيداً أن أجرة الخطية هي الموت، وأن الهلاك ينتظر الأشرار بالضرورة كما ينتظر الموت من لدغته الحية؛ ولذلك فقد كان يرى أن الإنسان الذي يفعل الشر سيحصل لا محالة الهلاك، وإنه ليس بحاجة إلى عقوبة إضافية على الهلاك الذي ينتظره؛ ثمرةً لشره، بقدر ما هو بحاجة إلى الخلاص والنجاة من الشر الذي يعيش فيه ويؤذي نفسه وغيره به، ومن الهلاك الذي ينتظره ثمرة لشره.

فهو يقدم الخلاص طوقاً للنجاة للإنسان الشرير لكي يخلص به، كما فعل مع المرأة الخاطئة والعشرات والمئات غيرها؛ ولكنه حينما يرى النفوس ترفض قبول الخلاص والنجاة بحياته ومحبته، فإنه لا يتأخر عن المواجهة لكي يخبر الإنسان ويُبّصره بالأهوال التي تنتظره جراء فخ الشر الذي نصبه له إبليس؛ ولكنه لا يفعل ذلك باستعلاء أو شماتة، بل بالعكس أنه يخبر الإنسان بالنتيجة المؤلمة بدموع عينيه.

هذا هو بالضبط ما حدث مع الناس الذي بشر بينهم ثلاث سنوات ونصف، ولم يستجيبوا لنداءاته، ولم يقبلوه ولا قبلوا خلاصة من أجرة الموت والهلاك. فقد وقف أمام أورشليم - المدينة العظيمة بشعبها الكثير الذي رفض الخلاص – يجهش بالبكاء، قائلاً: "كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا!" (متى
٢٣ : ٣٧). ثم يخبرهم بثمرة الخطية .. هو لا يصدر حكماً عليهم ولا قرار انتقاماً منهم، ولكنه فقط يُخبرهم ويُنبئهم بثمرة الشر التي ستأتي عليهم، قائلاً: "فإنه ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة، ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة، ويهدمونك وبنيك فيك، ولا يتركون فيك حجرا على حجر، لأنك لم تعرفي زمان افتقادك" (لوقا ١٩ : ٤٣)


هذا هو ما تحقق بحذافيره سنة ٧٠م، حينما حاصر القائد الروماني تيطس أورشليم إلى حد المجاعة التي جعلت سكانها يأكلون جثث الموتى؛ ليس هذا فقط بل عندما دخل تيطس أورشليم حرث الهيكل بالمحاريث، وأخذ وجهاء القوم كما أخذ الشباب أسرى ليصيروا عبيداً في مناجم الفحم في روما.

 

ما أشبه الليلة بالبارحة، إن قادة الشعوب الذين بنت شعوبهم هذه الحضارة الفخمة يتجهون صوب تدمير الحضارة وإهلاك شعوبهم بأسلحة الدمار الرهيبة التي يصوبونها نحو بعضهم البعض، وما زال المسيح يبكى على البشرية الضالة وراء الشرير، وعلى قادتها الحمقى الذين يجرونهم إلى الهلاك والفناء والدمار مردداً نفس العبارات: "لأنك لم تعرفي زمان افتقادك" (لوقا ١٩ : ٤٤)

 

الذين يجهلون حق الإنجيل لا يفهمون بعد، أن المسيح لم يأت ليدين العالم، بل ليخلص العالم، وأن العقوبة والدينونة على الخطية والشر أمراً تلقائياً وحتمياً؛ ولم يفهموا بعد فحوى سر الإنجيل: أن ما يحتاجه العالم المستبيح للشر ليس هو التهديد بعقوبات الناموس بل هو الرجاء الذي يخلص المختارين من الخطأة.

" لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم." (يوحنا ٣ : ١٧)