Sep 18, 2021 128
980 79


كان المسيح له المجد في أيام جسده وبشارته يستخدم الأساليب الإيضاحية من البيئة المعاشة؛ ويبدأ تقديم الفكرة بتشبيهات مما هو معلوماً لدى الناس ليشرح بها الحقيقة الروحية غير المعروفة لهم، والتي يريد أن يعلمها لسامعيه.

من هذه الأمثلة حديث المسيح عن نفسه "أنا هو خبز الحياة آباؤكم أكلوا المن في البرية وماتوا" (يوحنا ٦ : ٤٨)

- "كما أرسلني الآب الحي، وأنا حي بالآب، فمن يأكلني فهو يحيا بي" (يوحنا ٦ : ٥٧).

الفكرة الأولى هنا هي أنه يبدأ من المعلومة المتاحة في الحياة اليومية؛ أن الإنسان يعيش معتمداً على تناوله للخبز (الطعام)، وأنه إذا توقف عن تناول الخبز (الطعام) فلن يستطيع البقاء على قيد هذه الحياة.

الفكرة الثانية هي أنه يريد أن يشرح أن الإنسان على نفس قياس تعامله مع الخبز للعيش، فإنه لا يستطيع أن ينال في روحه الحياة الأبدية ويثبت فيها؛ إلا إذا تغذى بانتظام على القوت الذي يهبه الحياة الأبدية.

الفكرة الثالثة هي أنه يُعلن لهم عن حقيقة أمره، فهم يرونه أمامهم إنساناً عادياً، ولا يدركون ما بداخله، "فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا" (كولوسي ٢ : ٩)، وأنه إذا كان جسده الذي يتشارك معنا فيه مأخوذاً من الأرض ومولوداً من العذراء، فإن اللاهوت الذي حل فيه هو نازلاً من فوق من عند الآب.

الفكرة الرابعة أنهم لم يفهموا المغزى قائلين : "كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل؟" (يوحنا ٦ : ٥٢) فيجيبهم أن سر الحياة الأبدية ليس في الجسد ولكن في اللاهوت النازل من السماء الحال في هذا الجسد

 "فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولاً
الروح هو الذي يحيي. أما الجسد فلا يفيد شيئا. الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة." (يوحنا ٦ : ٦٢)

‌أما الفكرة الخامسة فهي أنه إذا لم يكن اللاهوت الذي نزل من السماء قد حل في هذا الجسد الذي يتشارك فيه مع البشرية؛ فما كان ممكناً أن ينال البشر الروح المحيي النازل من السماء؛ ومن ثم فهنا تعبيره : "من يأكل جسدي" ليس معناه من يأكل لحمي، ولكن معناه من يأكلني (من خلال تجسدي) فهو يحيا بي؛ فكما يعيش الجسد الإنساني على الخبز فإن النور الأزلي النازل من السماء الحال في هذا الجسد (في جسدي) هو غذاء ومانح الحياة الأبدية للإنسان.

فنحن نحيا بالاتحاد بالكلمة "النازل من السماء" متجسداً في جسد يشبه بشريتنا، أي أن الجسد صار وسيط وحدتنا "نحن ذوي الأجساد" بالكلمة المتجسد النازل من السماء.

المسيح شبه نفسه بالخبز وميز صفته أنه الخبز الحي (المحيي) والذي نزل من السماء ولكنه ينتقل بالمعنى من التشبيه بالخبز والأكل والطعام إلى جوهر غاية الخبز والطعام. فكما أن الخبز هو أداة عيش الجسد فإن الكلمة المتجسد (المسيح نفسه) هو قوت ومصدر وسبب حياة الإنسان الأبدية؛ وكما أن تغذي الجسد على الخبز للعيش هو أمراً مستمراً ودائم؛ فإن الاتحاد بالكلمة المتجسد، الخبز الحي النازل من السماء لابد أن يكون مستمراً ودائماً إلى الاتحاد الكامل والنهار الكامل والحياة الأبدية بالمسيح يسوع.
"كما أرسلني الآب الحي، وأنا حي بالآب، فمن يأكلني فهو يحيا بي." (يوحنا ٦ : ٥٧)


لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "المسيح كما أعلنه الإنجيل" اضغط عالرابط التالي

https://anbamaximus.org/articles/JesusAsTheGospelRevealed.php