Sep 10, 2021 65
980 79

أعطى يعقوب (إسرائيل) عناية مميزة لابنه يوسف؛ لأنه كان قد فقد أمه في طفولته؛ فضلاً عن أن راحيل أم يوسف كانت زوجته المحبوبة واختياره وأمنيته في شبابه؛ ومن ثم فقد ألبسه القميص الملون الذي كان عادة يلبسه الابن البكر؛ سياق قصة يعقوب مع يوسف أن إعطاءه القميص الملون كان تمييزًا؛ بينما خاتمة القصة تبوح بأنه كان عن حق لم يعلن بعد!

قبل أن يولد داود وصموئيل بأجيال؛ كان أسلوب تعاملات الله مع الإنسان: لا يحتقر الصغار والأطفال لأنه يفحص القلوب ويعرف الآتي قبل حدوثه في حياة الإنسان؛ لكي تتكرر قصة يوسف مع غيره؛ أن الله يتعاقد ويتعامل مع الإنسان طفلاً ويافعًا! فيقف الفتى اليافع لابسًا القميص الملون بين أخوته منبئاً إياهم: أنهم سيسجدون أمامه كحاكم ومتسلط!

كان رد فعل إخوته؛ هو بعينه رد فعل سائر الأخوة على مدى التاريخ الذين حزنوا حقدًا من قميص أخيهم الملون؛ فلم يضيعوا الفرصة النادرة التي اتيحت لهم: بإرسال أبيه له إليهم بالطعام وافتقاد سلامتهم؛ لينتقموا منه شر الانتقام فينزعوا عنه قميصه الملون ويبيعوه عبدًا إهانةً، ومحوًا نهائيًا لأحلامه النبوية؛ أنه سيتسلط عليهم.

هؤلاء الأخوة الأعداء هم آباء شعب إسرائيل المختار! الذين غمسوا القميص الملون الذي أغارهم؛ في دماء الشاة التي تعشوا بها ليوزعوا الكذب الذي يتسترون به على غباء شرهم، ويكذبوا على أبيهم: ذئب افترس يوسف … وأراحنا من أحلامه ومن قميصه الملون.

كان الله مع يوسف فكان إنسانًا ناجحًا عفيفًا؛ لكن كما انتقم منه الحقدة وباعوه عبدًا؛ انتقمت الخطية من عفته وألقته في السجن.

قال الجاهل في قلبه ليس إله؛ وقال عديم الخبرة بطرق الله العالية فوق فكر الإنسان: كيف ولماذا يترك الله يوسف ضحية لشر الأشرار؟

لكن تتمة قصة يوسف تخبرنا أن حقد وانتقام إخوته إنما آل إلى إنقاذه من العيش في وسط أخوة أعداء حقدة؛ وتنقله إلى أرض مصر أعظم ممالك الأرض في زمانه؛ وكذلك افتراء امرأة فوطيفار جعل من سجنه طريقًا ومصعدًا إلى كرسي الرئاسة والسلطان.

كانت المجاعة ستأتي على الأرض كما حدث فعليًا؛ وكانت ستعصف بيوسف ويعقوب وأخوته معًا، وبشعب الأرض في كل المنطقة وبمملكة عظيمة كمصر، وتبين أن الله حول الشر إلى خير وأن يوسف قد أتى مصر بخطة إلهية لإنقاذ شعب الأرض من المجاعة، وتحقيق وعده ليوسف الذي أنبأه به صغيرًا يافعًا؛ هذه كلمات يوسف نفسه لأخوته الساجدين على الأرض أمامه: "والآن لا تتأسفوا ولا تغتاظوا لأنكم بعتموني إلى هنا لأنه لاستبقاء حياة أرسلني الله قدامكم" (تك٥/٥٤)

الحقد لا يفيد شيئًا، وطرق الأشرار إلى البوار، والله لا يترك عصا الأشرار تستقر على نصيب الصديقين، ولكنه يخرج من الآكل أُكلاً ومن الجافي حلاوة، ويجعل كل الأشياء تعمل للخير للذين يحبون الله.

وكما كان يوسف أمينًا؛ فإن أمانة الله مع يوسف أعظم، وصار ثانيًا لفرعون مصر، أعظم ملوك الأرض في زمانه، وتحققت الرؤيا وأتى إخوته وسجدوا جميعًا بوجوههم إلى الأرض أمامه: " هنَذَا أُصَيِّرُهُمْ يأتون ويسجدون أمام رجليك ويعرفون أني أنا أحببتك" (رؤ٩/٣)

"لأن الرؤيا بعد إلى ميعاد، وفي النهاية تتكلم ولا تكذب، إن توانت فانتظرها لأنها ستأتي إتيانًا ولا تتأخر" (حب ٣/٢)