Sep 05, 2021 286
980 79

الله نُورٌ حي وواهب للحياة؛ نُورٌ لا تدركه الأبصار "اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ." (يو 1: 18)؛ نُورٌ أزلي لا نهائي يحيط بكل شيء؛ هو الذي وهب من حياتِهِ لحياة الإنسان عطية الفرح، وسلام النفس، ومحبة الآخرين، ونعمة الشخوص والتأمل بنوره وبهاء مجدهِ.

الإنسان الذي اِختار أن يكون منقادًا ومغويًا من الروح الشرير؛ هو الذي صار فاقدًا للتواصل مع هذا النور الخالق الذي وَهَبَهُ حياةً من حياتهِ؛ وصار في الموت، وفي ظلمة العقل والقلب والحس والجسد، وبانفصاله عن مصدر حياتهِ، صائرًا في الموت والقلق والشقاء؛ أنفصل أيضًا عن مصدر إنارته وحكمته، صائرًا في ظلمة الفكر والبصيرة؛ مغتربًا عن بهاء الله والشخوص فيه وفي محبته.

الله نُورٌ أزلي لا نهائي، ولكنه ليس كالنور المخلوق الذي نعرفه (فهو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)؛ وما دام الله نور فلا بد من أن يكون للنور شعاع؛ فإذا لم يكن للنور شعاع يَخرج ويولد منه ويعلنه وينقل نوره للآخرين، فما عاد النور بعد نُورًا!

فشعاع نور الشمس لا بد أن يكون مكافئ ومساوي لحجم الشمس، وبدونه ما عرف أحد أنه توجد شمس، وبدونه أيضًا ما استمتعت الخليقة كلها بنور الشمس وفوائدهُ كسبب رئيسي لنمو الحياة على كوكبنا وربما غيرنا؛ ومن ثم فإذا كان شعاع الشمس بحجم الشمس؛ فإن شعاع نور الشمعة هو أيضا بحجم نور الشمعة، فالشعاع لا بد أن يكون بالحجم المكافئ للنور المولود منه، والشعاع هو الذي يعلن النور ويَهِبُ الحياة الصادرة عنه للآخرين.

حياة الله هي التي وَهَبَت القيمة والوجود والحياة للإنسان، بواسطة شعاع النور الأزلي؛ ومن ثم فإن انغماس الإنسان في الشهوات والملذات وخداعات وحيل الشيطان، أخذته بعيدًا عن نور الحياة الذي كان يشع عليه من الحضرة والمحبة الإلهية، فاحتجب عنه النور المحيي، وصار بعيدًا عنه هناك في سماء السماوات، فيما صارت البشرية في الحضيض الأسفل منغمسة في الكراهية، والحرب، والقتل، وتدمير الآخرين، والسلب والنهب والأنانية، وظلمة العقل والبصيرة، والبقاء في ظلمة الموت وشقاء النفس والعقل والقلب.

هذا ما يخبرنا عنه الإنجيل حسب القديس يوحنا "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ،" (يو 1: 4)، وهذه الحياة التي كانت في الله والتي كانت هي نور الناس؛ ظلت هناك بعيدًا جدًا في الله، ومحتجبة عن حياة الإنسان الذي في الحضيض الأرضي، وبهذا الشكل امتلأت الأرض من الشرور، وصار الإنسان وعالمه مستعبدًا ومحكومًا بالشر والشيطان.

كلمة "الإنجيل" كلمة يونانية معناها بالعربية: "البشارة" أو "الخبر السار"، والخبر السار الذي بَشر الإنجيل العالم به هو: أن الله أحب خليقته (العالم)، ومن ثم فلم يكن من بِرِّهِ وعدلهِ أن تَهَلَكْ خليقته، وتظل محبوسة تحت سلطان الشرير في عالم من الشقاء، ولهذا أرسل شعاع نُورِهِ إلى البشرية لكي ينير كل إنسان. 

ولأن شعاع نُوره لا تدركه الأبصار، ولا يستطيع الإنسان أن يتعامل معه؛ فقد فأرسل نُوره المولود من جوهر النور الأزلي، شعاع نُوره المحيي ظاهرًا ومتجسدًا في جسد إنساني، وذلك حتى يمكن للبشرية من خلال تجسد نورة في وعاء إنساني أن يستنيروا بنوره، فتتغير حالة البشر من البقاء في الموت إلى الانتقال إلى الحياة، ومن المكوث في الظلمة إلى حياة النور؛ "هكذا أحبّ اللهُ العالَمَ حتى وهَبَ اَبنَهُ الأوحَدَ، فَلا يَهلِكَ كُلّ مَنْ يُؤمِنُ بِه، بل تكونُ لَهُ الحياةُ الأبدِيّةُ." (يو 3: 16) الترجمة العربية المشتركة؛ "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ،" (يو 1: 4)؛ "كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ." (يو 1: 9).

بشارة الإنجيل والخبر السار هو أن: الظلمة قد مضت، وأن النور الحقيقي الواهب للحياة الآن يضئ فينا ويهبنا الحياة؛ "أَنَّ الظُّلْمَةَ قَدْ مَضَتْ، وَالنُّورَ الْحَقِيقِيَّ الآنَ يُضِيءُ." (1 يو 2: 8).

بشارة الإنجيل والخبر السار هو أن: نور الآب السماوي قد أضاء في قلوبنا باِبنه (أي النور المولود من النور) يسوع المسيح الذي غلب نُورِهِ الظلمة وأنار كل إنسان يقبله "وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ." (يو 1: 5)، "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ." (يو 1: 12)، فقد "كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ." (يو 1: 9).

فهل جسد وإنسانية المسيح نزلت من السماء، أم أنها مأخوذة من جسد العذراء من الأرض؟ الإجابة هي: أن جسد المسيح وإنسانيته مأخوذة من جسد العذراء، ويشبه أجسادنا وإنسانيتنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها؛ فما الذي نزل من السماء، وما الذي أُخذ من الأرض في التجسد؟

الإجابة هي: أن الذي نزل من السماء هو شعاع النور الأزلي، النور المولود من النور (وهذا هو معنى تعبير: ابن الله)؛ فابن الله هو شعاع النور النازل من السماء، الذي حل وتجسد في هذا الجسد الإنساني، الذي أخذه من العذراء مريم، وهو الذي أعطى صفة ابن الله لهذا الجسد، وليس كما يتصور ويردد جَهَلة الناس: أن العذراء صارت صاحبة أو زوجة لله (حاشا)؛ تنزه الله وتقدس عن تصورات البشر الجَهَلة الخاطئين، ولا توجد أي علاقة نسب جسدية بين المسيح وبين الآب السماوي، ولكن العلاقة هي بين النور الأزلي، وشعاع النور المولود منه، الذي ظهر وحل وتجسد في الجسد الإنساني المولود من العذراء مريم.

لماذا تجسد شعاع نور الأزلي في جسد وإنسانية المسيح؟ إجابة الإنجيل هي: "كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ." (يو 1: 9)؛ "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ." (يو 1: 12).

فبشارة الإنجيل إذن أن النور الذي كان حياة البشر، وكان محجوبًا عن الإنسان، ومحتجبًا عن الخليقة؛ قد آتى إلى العالم وأنار الظلمة، ووهب الحياة الأبدية لكل من يطلبه.

إن الفرصة التي اغتنمها الكثيرون من قبل واستناروا بنوره الأبدي، وتشبعوا من ضياء نُّورِهِ في قلوبهم وعقولهم وحياتهم؛ ما تزال متاحة لكل من يقبله ويصير إليه هذا النور؛ لينير قلبه وعقله ويهبه الحياة؛ فيخرج به من حياة الشقاء إلى حياة الفرح والغلبة على الخطية والعالم الشرير، وأيضًا على سلطان الشرير (أي إبليس).