Sep 02, 2021 127
980 79

[هذه السلسلة من المقالات عن إعادة قراءة العهد القديم بعيون وفكر العهد الجديد؛ ليست تكرارًا ولا حوارًا حول سلسلة المقالات التي سبقتها؛ التي برهنت أن ناموس العهد الجديد (روح الحياة القدوس)؛ قد حل محل ناموس العهد القديم (الخطية وعقوبة الموت) "لأنه إن تغَيَّر الكهنوت فبالضرورة يصير تغيُّر للناموس أيضًا" (عب ١٢/٧)؛ ولكنها محاولة تطبيقية جادة لقراءة العهد القديم بفكر العهد الجديد]

لقراءة المقالات السابقة من هذه السلسلة اضغط عالرابط التالي

https://anbamaximus.org/articles/

 

البرقع الذي على قلوبهم!

 

اِنتهينا في المرات السابقة إلى أن: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ،" (2 تي 3: 16)؛ تعني أن كل أسفار العهد القديم موحى بها من الله، وليس أن الوحي إملاءً نصًا بنص؛ وإلا لكانت كل سلوكيات وأقوال الملوك الأشرار والشياطين وغيرها المذكورة في الكتاب المقدس؛ هي وحي من عند الله!

ولكن الصحيح أن الوحي ليس إملاءً بل إلهامًا؛ وعليه فإن لغة الكتابة والتعبير عن الإلهام معتمدة على الإنسان - أي النبي - وهذا يشرح لنا لماذا يتباين أسلوب الكتابة من سفر إلى سفر، فهناك فرق بين اسلوب الفيلسوف في سفر إشعياء، وأسلوب راعي الغنم وجاني الْجُمَّيْز في سفر عاموس؛ ولو كان الوحي إملاءً لكان أسلوب كِتابة كل الأسفار متشابه بالضرورة؛ لأنه سيكون في هذه الحالة إملاء شخصً واحدً! وهذا يؤكد على فكرة أن الوحي إلهامًا وليس إملاءً.

الفكرة الثانية في فهمنا لوحي العهد القديم هي: "لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ." (2 بط 1: 21)، وهذا معناه أن الكلمة النبوية هي وحي العهد القديم وليست الاحداث التاريخية، ولا قرارات وأخطاء وخطايا الملوك والأنبياء! حتى لو نسبوها إلى الله.

ثم نأتي إلى وحي وإلهام موسى النبي، فنجد فيه أن موسى النبي نفسه أقر في سفر الخروج أنه طلب أن يَرَى الله ولم يسمح له بهذه الرؤية، وفي حادثة العليقة المتقدة بالنار نجد أنه ذُكر أن الذي كلم موسى هو الرب "فَقَالَ الرَّبُّ: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ مِنْ أَجْلِ مُسَخِّرِيهِمْ. إِنِّي عَلِمْتُ أَوْجَاعَهُمْ،" (خر 3: 7)، وفي نفس الاصحاح نجد أن الذي ظهر لموسى هو ملاك الرب "وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ. فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ، وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ." (خر 3: 2)، وهذا معناه أن هذه كانت ظهورات ملائكة، وأن موسى أو غيره لم يسمعوا صوت الله، ولم يتكلم الله إلى أحد، "وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي. لَمْ تَسْمَعُوا صَوْتَهُ قَطُّ، وَلاَ أَبْصَرْتُمْ هَيْئَتَهُ،" (يو 5: 37).

فالعهد الجديد يُخبرنا بوضوح أن الله كلم الانبياء بطرق كثير "اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ،" (عب 1: 1)، وحتى ظهورات الملائكة لم تكن بصوت يُسْمَع، لأن الملائكة لا لسان لها حتى يصدر ذبذبات صوتية فتسمعها طبلة الأُذُن (أذن موسى)؛ ومن ثم فالظهورات الملائكية كانت تكلم الأنبياء وحيًا.

فإذا كان موسى النبي لم يرى الله ولم يسمع صوته، وكان الوحي من خلال الملائكة ومتوقف على قدرة الإنسان (النبي) على التعبير؛ ومدى شفافية تعبيراته عن الإلهام الذي يتلقاه، وإضافةً إلى هذا فإن موسى النبي وسائر أنبياء العهد القديم كانوا مثل باقي البشرية التي أخبر عنها الانجيل "الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ." (لو 1: 79).

إذن بأي ضمير وحسً؛ يساوي البعض بين الإلهام الذي حصل عليه الأنبياء في العهد القديم الجالسين في الظلمة وتحت سلطان الموت؛ وبين إعلان الابن الوحيد عن الآب الذي يعرفه لأنه منه: "أَنَا أَعْرِفُهُ لأَنِّي مِنْهُ، وَهُوَ أَرْسَلَنِي»." (يو 7: 29)، والذي حسم الأمر أن "لَيْسَ أَنَّ أَحَدًا رَأَى الآبَ إِلاَّ الَّذِي مِنَ اللهِ. هذَا قَدْ رَأَى الآبَ." (يو 6: 46)، وأن "اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ." (يو 1: 18).

وكيف بكل جسارة يصدقون ويتشبثون بالوحي الذي كتبه الإنسان الذي لم يرى الله في أسفار التوراة، ولا يصدقون إعلان الابن الوحيد الذي رأى الله؛ فحينما يقول موسى عن فم الرب "فَقَالَ الرَّبُّ: «أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ»." (تك 6: 7)، بينما يقول الانجيل "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ." (يو 3: 16)؛ فأي من الإعلانين هو الأكثر دقة، والأهم تصديقًا من الآخر: إعلان الابن الوحيد في العهد الجديد، أم إعلان الأنبياء البشر الذين كانوا جالسين في الظلمة وظلال الموت في العهد القديم.

ليس معنى كلامي أنني أُكْذِب موسى أو غيره، ولكن معنى كلامي أنه متى تكلم الكامل الذي من الله، فلا بد من أن نفهم كلام مَن لم يرى الله من خلال كلام الكامل، وبهذا ندرك في هذه الحالة أن قدرات وإمكانات الأنبياء في وحي العهد القديم كانت محدودة جدًا إلى جوار الكلمة المتجسد نفسه، وهذا هو ما عبر عنه الرسول بطرس بوضوح في رسالته الثانية إذ يقول "وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، (كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِم)ٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ (كَوْكَبُ الصُّبْحِ) فِي قُلُوبِكُمْ،" (2 بط 1: 19)، فهو قَارَن بين وحي العهد القديم الذي شبهه (بالسراج المنير)، ووحي العهد الجديد الذي هو إعلان الكلمة المتجسد نفسه وعبر عنه (بكوكب الصبح).

الكنيسة المسيحية الأولى لم تَجْهَل هذا الاختلاف إلى حد التناقض، بين إعلان العهد القديم عن الله وقدرات أَنْبِيَاءَه على استلام الوحي من جهة، وبين إعلان الابن الكلمة المتجسد عند الآب وأنه هو نفسه وحي العهد الجديد؛ ولكن الكنيسة المسيحية الأولى لم تَقْبَل العهد القديم على قِدَمِه وحالته! بل قَبِلَتْه مكملاً بالعهد الجديد وبإعلان يسوع المسيح؛ وهذا هو المفتاح الحقيقي لفهم: كيف تناقضت رُؤية الأنبياء في العهد القديم مع رُؤية الإنجيل في العهد الجديد.

وبهذا الشكل تَقْبَل الكنيسة بالقديم "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ،" (2 تي 3: 16)، "وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ، بِالإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ." (2 تي 3: 15).

وهنا الإجابة أن الكنيسة المسيحية الأولى لم تخلط بين العهدين القديم والجديد، ولم تشوش على العهد الجديد بالعهد القديم، كما يفعل البعض من تلاميذ الصهيونية والتهود في هذه الأيام، ولكنها كانت تَقْرَأ العهد القديم بعيون العهد الجديد، وتجيز من خلال المسيح؛ ما أجازه إعلان المسيح عن الآب السماوي في العهد الجديد، وكانت تنظر إلى التاريخ كتاريخ والتشريع كتشريع، كما قال الرب: "قَالَ لَهُمْ: «إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا." (مت 19: 8)، والعلامة الدامغة على هذا أن المسيح لم يتمم ناموس موسى ولا مرة واحدة؛ بحسب العهد الجديد، وهو أيضًا لم يترك تشريع من تشريعات ناموس موسى إلا وطوره وكَمَّلَه "«قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلًا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ." (مت 5: 21-22)؛ فالخلط بين رُؤية القديم وتشريعه وبين رُؤية الجديد وتشريعه صار إلى الكنيسة بسبب الجماعات التهويدية التي اِستغلت ضم العهد القديم إلى العهد الجديد في مجلد واحد في مطبعة جوتنبرج الألمانية، لكي يَنْشُرُوا تَعْلِيم جديد يقلب القاعدة التي تركها لنا آباء الكنيسة الأولين (وهى أن نقرأ العهد القديم بعيون العهد الجديد)، وصاروا بهذا يشرحون ويفسرون العهد الجديد بناءً على العهد القديم، ونشروا بين الناس فكرة أن الكتاب المقدس هو كتاب من جزئين: الجزء الأول هو العهد القديم والجزء الثاني التكميلي له هو العهد الجديد! بينما الحقيقة هي أن اعلان العهد الجديد هو الأساس "فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاسًا آخَرَ غَيْرَ الَّذِي وُضِعَ، الَّذِي هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ." (1 كو 3: 11)، وأن الكنيسة تَقْبَل وتقرأ العهد القديم بناء على هذا الأساس الذي هو يسوع المسيح وعهده الجديد.

إن الذين تربوا على تصديق الموروث اليهودي، والذين نشأوا على المساواة بين وحي العهد القديم ووحي العهد الجديد، هم الذين يُصدَمون اليوم عند مواجهتهم بهذا التباين والتناقض الصارخ بين العهدين القديم والجديد، ولأن ايمانهم بُنيَّ وتأسس على أن العهد القديم هو الأساس الذي يشرح به العهد الجديد، فقد صاروا منزعجين من هذه المقارنة ويُحاولون أن يُبرهنوا على أن القديم هو الأساس كما تَتَلمذوا! حتى لو كان هذا على حساب إنكار حق الإنجيل، وعلى حساب إعلان محبة الله الآب ومجد الأبن الوحيد يسوع المسيح.

لقد جاء الوقت الذي تَستنير فيه عُقول أفهامنا بحق الإنجيل، ويُرّفَع ويُنّزَع البُرقع عن قلوب الكثيرين "بَلْ أُغْلِظَتْ أَذْهَانُهُمْ، لأَنَّهُ حَتَّى الْيَوْمِ ذلِكَ الْبُرْقُعُ نَفْسُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْعَهْدِ الْعَتِيقِ بَاق غَيْرُ مُنْكَشِفٍ، الَّذِي يُبْطَلُ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ حَتَّى الْيَوْمِ، حِينَ يُقْرَأُ مُوسَى، الْبُرْقُعُ مَوْضُوعٌ عَلَى قَلْبِهِمْ." (2 كو 3: 14-15)، (خر 34: 34)، ليدركوا أن "النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئًا" (عب 7: 19)، وأنه لم يخلص أحد بالناموس "وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ، مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ،" (رو 3: 21)، ولكن الخلاص بالإيمان بيسوع المسيح "وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ»." (أع 4: 12)، فيا بنو الملكوت تَحَوَّلُوا من الجلوس في الظُلمة وظلال الموت إلى الشخوص في مجد الآب المُستعلَن لكم في وجه يسوع المسيح من خلال حق الانجيل.