May 17, 2020 335
980 79

أعرف جيدًا التاريخ و يعرفه معي كل الذين إستناروا بفكر آباء الكنيسة الأولين ؛ أن كنائس المشرق وقعت تحت تأثير و ضغط حادثين تاريخيين كبيرين أوصلانا إلي ما صرنا عليه من فقدان الكثير من جذورنا المسيحيه الاصيلة؛ الحدث الأول هو مجمع خلقيدونيه المشئوم و ما نتج عنه من عزلة للكنائس المشرقية ؛ والثاني هو الفتح العربي وما نتج عنه من عودة الموروث اليهودي من نافذة العيش المشترك مع المسلمين تأثرًا أو حوارً أفضي إلي دخول مفاهيم من الموروث اليهودي و الاسلامي إلي الفكر المسيحي الشعبوي؛ مثل فكرتنا عن الجنة والنار ، وجنة عدن، و البعث والثواب و العقاب .. وهكذا.  


جوهر المشكلة بهذا الصدد هو أن الديانتين الكبيرتين اليهوديه و الاسلام قامتا علي أساس الشريعة و ما تتضمنه الديانة الشريعية من فكرة الجريمة و العقاب كرادع لها؛  و بالتالي فإن موروث الديانتين أكد علي أن النار الابدية نار مادية حقيقية تحرق؛ وأن جنة عدن كذلك 
؛ وهذا في الواقع مختلف عن اللاهوت المسيحي في التأسيس والفهم  الذي لا يتأسس علي الشريعة والعقاب ؛ بل علي التجسد و الاشتراك في الحياة الابدية من خلاله بالاتحاد بالمسيح من عدمه! ومن ثم إنعكست فكرة مادية النار الابدية علي عدم فهم الحرب الروحية أيضا وكذلك دينونة إبليس ! فإذا كانت النار الأبدية نار مادية حقيقية طبقا للديانات الشريعية؛ فكيف تطبق عليها كلام المسيح في الإنجيل ؛ أنها معدة لإبليس و ملائكته؛ فكيف ستحرق بالنار من هو أصلا مخلوق من النار؟!  و ليست هذه هي الاشكالية الوحيدة في فهم ماهية النار الابدية التي سيلقي فيها الشيطان؛ ولكننا نجدها مرة أخري في سفر الرؤيا : أنها بحيرة النار و الكبريت التي سيلقي فيها إبليس! الطريف في الموضوع أن بعض المسيحيين يقاتلون من أجل البرهنة علي أن فهم النار المادية العقابية هو المفهوم القديم و الاصيل ! غير مدركين أنه قديم قدم حالة العزلة  التي تلاها الفتح العربي ؛ ولكنه ليس قدم التعليم الرسولي ولا الآبائي!


أسهبت الشرح في مقدمة طويلة حتي أنبه الاذهان التقية التي تعيش في النور وتطلبه إلي أن إبليس المخلوق من النار لا تحرقه النيران المستعرة؛ ولكن لأنه روح البغضة والنجاسة والشر ؛ فإن ما يحرقه ويبطله هو روح المحبة والقداسة و كل أشكال وتفاصيل الثبوت في الحق ووصية الانجيل ؛ وهذه هي إسلحة محاربتنا القوية جدا القادرة علي هدم حصون الشر و كل مكايد إبليس وأعماله الشريرة و المدمرة للعالم وللإنسانية ؛ و أن العكس صحيح تماما فالوقوع تحت سلطان الشر والأنانية و سائر خداعات شهواته يوقعنا تحت سلطانه وشروره ! و علية يصبح طوق نجاتنا وسلاح غلبتنا علي مكايد وأعمال إبليس الشريرة ضد كنيسة المسيح و ضد البشرية ؛ بأن نقاومه راسخين في الإيمان بأدوات السهر بالروح ؛ و بالمحبة و القداسة والثبوت في المسيح وحق الإنجيل .