May 10, 2020 329
980 79

لم يكن قد مر وقت يذكر علي تخرجي في الكلية الاكليريكية و تكليفي مع كل دفعتي بالخدمة لمدة عام في إحدي كنائس القاهرة علي سبيل التدريب؛ حتي كانت لي فرصة عميقة للخلوة والصلاة و التأمل في الاسبوع الأخير من صوم الميلاد؛ ولم أكن أدري ماذا يُعد لي الله في هذه الخلوة التي غيرت مسيرة حياتي و كذلك خدمتي ودعوتي ؛ ما حدث ببساطة أنني أغلقت علي نفسي باب غرفتي لأخرج في المساء للإفطار ثم أعود اليها! لأقف للصلاة حتي أتعب فأستلقي للراحة ثم أقرأ الإنجيل وهكذا الي اليوم التالي؛ ولا أعرف كيف أو لماذا ركزت علي قراءة إنجيل يوحنا وغصت في الاستمتاع به كما لم يحدث في حياتي من قبل ؛ فلما فرغت من إنجيل يوحنا وجدت نفسي مباشرة في مواجهة سفر أعمال الرسل الذي كنت قد قرأته مرات كثيرة قبلاً.

ولكن الجديد في هذه المرة هو السؤال الذي أستوقفني و أخذ يلح علي بقوة لا تقاوم : لماذا لم تعد تحدث هذه الآيات والقوات التي كانت تجري في كنيسة الرسل؛لم تعد تجري  في كنائسنا في الوقت الحاضر؟! مع التأكيد علي أن يسوع المسيح هو هو أمسا و اليوم وإلي الأبد ؟!فإذا كان يسوع المسيح لم يتغير! ولا روحه القدوس قد فارقته قوته علي صنع الآيات و معجزات الشفاء! فلابد أن يكون الخلل فينا نحن كنيسة هذه الأيام! أو في التاريخ نفسه ! وإنتهت الخلوة وأنا في حيرتي ولا أعرف من ينبغي أن أسأل فيجيبني دون يوجه الي الاتهام بالكبرياء والتمرد أو بالتشكيك في ذمة قادتنا!

لم تبارح الفكرة  رأسي أبدا بعد ذلك حتي كان ذلك المساء الذي نزلت فيه لإفتقاد الشباب المكلف بهم؛ ومن ثم مررت علي الكنيسة أولاً  لأجد تلك السيدة التقية التي كنت أخرج معها لخدمة الأحياء الفقيرة في شبرا؛ وقد أمسكتني بقوة وجذبتي من كم الرداء وأمرتني بالذهاب معها الي بيتها لنصلي من أجل زوجة إبنها المريضة؛ وكان رد الفعل العنيف هذا منها؛ ردًا علي إحتجاجي بأن كنتها ليست بحاجة الي صلوات لكنها بحاجة  إلي طبيب لانها مريضة!

إذ لم أكن قد سمعت أو رأيت قبلا بعيني أن المرضي تشفي بواسطة الصلوات؛ بل بواسطة الطب والدواء كما تربيت وتعلمت!  وهكذا منعني الأدب أن أقاوم قبضة السيدة المسنة علي كم الرداء و جذبها لي بقوة لأذهب معها طائعاً؛ وأنا طول الطريق أفكر في الصدمة التي ستمني بها هذه السيدة طيبة القلب التي تصدق ان المرضي يشفون بالصلوات! دخلنا البيت لنجد كنتها ممدة علي الأريكة وقد تجمعت النسوة الغلابة اللاتي إعتادت إن تصطحبني معها لافتقادهن؛

وبدون مقدمات رفعت صوتها بالأمر لي بأن أصلي من أجل شفاء المريضة ( فاتني أن أخبركم أن أختا من طبيبات الكنيسة كانت هناك بتكليف من الأب الكاهن و بدون نتيجة بعد! ) أقول صدقا في المسيح أمام من هو عتيد أن يدين الأحياء والأموات : صليت وقلت بالحرف الواحد:أيها الرب يسوع المسيح ؛ لا يوجد عندي إيمان حتي أصلي به؛ ولكن من فضلك من أجل إيمان هذه السيدة أقم هذه الابنة؛ فقامت في الحال وضج المكان بالفرح و خرجت مسرعًا هربًا من المواجهة و أنا أفكر فيما حدث؛ يعني لسه فيها معجزات بتحصل بإسم الرب يسوع ولم تتوقف! وواحده ست بسيطة بلا رتب كهنوتية ! فما معني إذن ما يحدث في كنائسنا من غياب للمعجزات ؟ و ما معني هذا الذي يعلموه لنا ؟!

 وكانت هذه هي بداية رحلة البحث عن الحقيقة و عن كنيسة الرسل وهل يمكن أن تعود ؟!  كان هذا في شتاء عام ١٩٧٣ ومرت السنين كثيرة و طويلة قبل أن أري بعيني وبشهود كثيرين البصر يعود الي من فقده؛ والعاقر وفاقد القدرة علي الإنجاب ينجبون؛ ومريض السرطان الموشك علي الوفاة يقوم ويحيا؛ والذي أحضر الأشعات الطبية التي تؤكد أن عنده ورم علي المخ يشفي بليلة صلاة واحدة! تذكرت هذه الأم التقية و ما نجحت أن تصنعه من تغيير في حياتي ببساطة الإيمان

اليوم قبل أن أكتب لكم هذه السطور وقد كنت أتساءل متحيرًا و أنا أتابع أخبار جائحة كورونا ؛ ما الحل ؛ مع تهديد بفيروس آخر  أو بتطوير له مع الشتاء القادم ؟!  الاجابة مريرة لكنها حقيقة لا مفر منها :"لأن هذا الشعب رذل مياة شيلوه الجارية بسكوت و سروا برصين و إبن رمليًا "(أش ٦/٨)