سيُذكر لمارتن لوثر دوره في ترجمة الكتاب المقدس من اللاتينية وإتاحته لكل المؤمنين بعدما كان مقصورًا على شرح الكاهن. لكن ثورية الإصلاح لم تُعطِ مكانًا لتعليم الآباء عن ضرورة قراءة العهد القديم بعيون العهد الجديد. وزاد الأمر تعقيدًا أن جون كالفن علّم بأن وحي العهد القديم مساوٍ لوحي العهد الجديد، دون الانتباه إلى أن وحي العهد الجديد هو المسيح نفسه الكلمة الأزلي النازل من السماء، بينما وحي العهد القديم هو الكلمة النبوية كما قال الكتاب: "وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ،" (2 بط 1: 19) و "لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ." (2 بط 1: 21).
بعد تقنين أسفار العهد الجديد سنة 367م بواسطة القديس أثناسيوس، التزمت الكنيسة بقراءته في القداس مع اقتباس قصير من المزامير، وقراءة النبوات ذات الصِلة مرة واحدة في السنة في أسبوع الآلام وصلوات اللقان. لكن إعادة اكتشاف لوثر للعهد القديم، مقرونة بمفهوم المساواة بين العهدين الذي أعلنه كالفن، ومع قرار المصلحين باستبدال القديسين بأنبياء العهد القديم لتجنب فكرة الشفاعة ومع إلغاء القداس، أدى إلى خلط الحقائق، فصارت قصص الأنبياء واقتباسات العهد القديم تُقرأ في كنائس ما بعد الإصلاح أكثر مما يُقرأ من العهد الجديد.
في القرون اللاحقة تقبّل المؤمنون قصص سبي النساء وقتل الأطفال والحروب والعنف باعتبار أن الله كان يتدرج بالبشرية. لكن الإنسان المعاصر رفض هذا التبرير، رافضًا قبول أن يكون الله في العهد القديم آمرًا بقتل الأطفال وسبي النساء (تث 20) و (يش 6: 21) بينما في الجديد: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى وَهبَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ." (يو 3: 16) ويعلّم: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ" (مت 5: 44)
ولم يجد كثيرون تفسيرًا للجمع بين الصورتين مع اعتقاد المصلحين بأن كل ما في العهد القديم موحى به مثل الجديد، فغادر الملايين الكنيسة نحو الإلحاد. ومن المعروف أن مفهوم الوحي اللفظي للعهد القديم منقول عن اليهود الأرثوذكس، ولم يقل به الآباء، عدا أغسطينوس. لكن ترجمة الملك جيمس التي شارك فيها جون داربي ترجمت (2 تي 3: 16) "كل الكتاب موحى به" رغم أن النسخة اليونانية جاءت فيها كلمة γραφή بلا أداة تعريف. لذلك جاءت ترجمة American Standard Version دقيقة:
"Every scripture inspired of God is also profitable for teaching, for reproof, for correction, for instruction which is in righteousness." 2 Timothy 3:16
العهد الجديد لم يقل أن كل ما كُتب في القديم هو موحى به، بل قال: "كُلُّ كِتَابٍ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ هُوَ نَافِعٌ" (2 تي 3: 16). كما أكد أن الكلمة النبوية تكلم بها الأنبياء بوحي الروح القدس. ولو كان ناموس موسى (وليس وحي الشريعة) من عند الآب السماوي، لما أمكن للابن أن يغير أو يعدل كلمات أبيه كما قال:
"سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ ... أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ" في مواضع متعددة (مت 5: 21، 27، 31، 33، 38، 43).
كما يقول في (عب 7: 12): "لأَنَّهُ إِنْ تَغَيَّرَ الْكَهَنُوتُ، فَبِالضَّرُورَةِ يَصِيرُ تَغَيُّرٌ لِلنَّامُوسِ أَيْضًا."
ولم يقل أي من القديسين أن تاريخ بني إسرائيل وحروب ملوكهم موحى به من الله.
لذلك لا بد من قراءة العهد القديم في سياقه التاريخي، وفهم أن المسيح والآباء استشهدوا بالكلمة النبوية لا بالأسفار التاريخية ولا بناموس موسى. وأن نقرأ العهد القديم بعيون العهد الجديد، فنقبل ما يتسق مع إعلان المسيح عن الآب السماوي المحب، ونأخذ ما عداه كمرجعية وعبرة تاريخية. وإلا ستفقد الكنيسة تباعًا ما تبقى من شبابها إن لم تعد إلى فكر الآباء الأولين وليس إلى جموح ثورية المصلحين.
بنسلفانيا – أمريكا
٢٧ نوفمبر ٢٠٢٥
لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "لاهوت العهد الجديد" اضغط على الرابط التالي:
https://anbamaximus.org/articles/NewTestamentTheology