اجتهدتُ قبل عدّة سنواتٍ في قراءة كُتُب بعض مشاهير الملحدين، وحاولتُ الرّدَّ على ما قرأتُه. وكانت معظمها، بالطبع، لفلاسفة وملحدين غربيّين يهاجمون المسيحية. وقد لفت نظري أنّ جُلَّ نقدهم للمسيحية انصبَّ على العهد القديم من ناحية، وعلى نقد تصرّفات وسلوكيّات رجال الكنيسة من ناحيةٍ أُخرى.
أمّا الرّدُّ على نقدهم للعهد القديم فهو محسومٌ عندي بحسب إيمان الكنيسة الأرثوذكسيّة الشرقيّة: أنّ كنيسة العهد الجديد قد حلّت محلّ إسرائيل، وأنّ إنجيل وكهنوت العهد الجديد قد حلّ محلّ ناموس وكهنوت العهد القديم (عب 7: 12). فما عدا الكلمة النبوية التي تنبّأت عن المسيح، يصبح العهد القديم بالنسبة لي تاريخًا واقعيًّا لما قبل المسيح.
وأمّا عن أخطاء رجال الكنيسة ـ وأنا واحدٌ منهم ـ فهي كثيرة، لكن مَن الذي قال إنّ رجال الدين هم المثال الذي يُحتذى به؟! فحسب الإنجيل، لا مثالَ يُحتذى ويُقيم عليه الإنسان إيمانه المسيحي إلا المسيح نفسه؛ لأننا إذا قَيَّمْنا الدين والإيمان على أساس رجال الدين، فلا أظن أنّه ستبقى بقيّة للدين.
خطأ مشترك يقع فيه رجال الدين، يبدأ من الرغبة في الاستعلاء والتميّز، حين يرى رجل الدين في إيمانه أفضليّةً على إيمان غيره، ثمّ يُمارس أشكالًا من الاستعلاء على الآخرين مستندًا إمّا على كثرة تابعيه، أو على سيف السلطان، غير مُدرِكٍ أنّ التاريخ لم يرحم أحدًا، وأنّ الكثرةَ لا تدوم ولا تُورَث كما كان يحدث في الأجيال السابقة. بل إنّ الكثرةَ هي اختبارٌ مُتجدِّدٌ له على المَحَك: هل سيكون مُقنِعًا لعقول سامعيه؟ وهل يُقدِّم خطابًا إيمانيًّا واقعيًّا ومنطقيًّا وقابلًا للتحقيق؟ أم ستغادره أكثريته سِرًّا وعلانيةً؟
كثيرون من رجال الدين لم يعوا كلمات المسيح: "لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ" (مت 7: 2).
فرجال الدّين أكثرُ الناس مُحاسبةً من شعوبهم، إن لم يُحاسِبوا هم أنفسهم على ما يستكبرون. والعقوبة القاسية التي يُنزِلها الجماهير برجل الدين هي مُغادرتهم لمعبده، وأيضًا للدين نفسه. فيُغيِّر هذا الانصرافُ الجماهيري التركيبةَ السكانية والجماهيرية التي كانت سببًا في استعلائه على الآخرين. ولو كان رجل الدين حكيمًا حصيفًا لأدرك أنّ الدنيا كتابٌ دوّار:
"فخفِّفِ الوطءَ، ما أظنُّ أديمَ الأرضِ إلاّ من هذه الأجسادِ."
بنسلفانيا - أميركا
١٩ أغسطس ٢٠٢٥
لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "رأيٌ في الأحداث" اضغط على الرابط التالي:
https://anbamaximus.org/articles/Ra2yFeElahdath