كورس في البدء كان الكلمة | المحاضرة التاسعة | أنا هو القيامة والحياة
Aug 04, 2025 3
980 79

كورس في البدء كان الكلمة | المحاضرة التاسعة | أنا هو القيامة والحياة

حادثة إقامة لعازر: الحوار بين الرب ومرثا

  • "قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا،" (يو 11: 25): لفهم النص في سياقه، فإن سياقه هو حادثة موت لعازر. كان لعازر ومرثا ومريم أصدقاء للرب، وكان يذهب إليهم في بيتهم في بيت عنيا. مرض لعازر، وأرسلت الأخت رسالة استغاثة إلى الرب. وقد تأخر الرب عمدًا حتى وصل متأخرًا جدًا، فكان المريض قد مات بسبب مرضه ودُفن. فخرجت مرثا لملاقاة الرب عندما علمت أنه جاء إلى القرية. فبادرته بالعتاب قائلة: "يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي!" (يو 11: 21). أجابها الرب: "سَيَقُومُ أَخُوكِ" (يو 11: 23). فأجابت مرثا: "أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْقِيَامَةِ، فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (يو 11: 24). وهنا أجابها الرب: "أنا هو القيامة والحياة".
  • هذا هو الجزء الأول من الموضوع: "قَالَ لَهَا يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا،" (يو 11: 25)، و الجزء الثاني من القصة هو طلب الرب الذهاب إلى القبر. فقالت له مرثا: "يَا سَيِّدُ، قَدْ أَنْتَنَ لأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ" (يو 11: 39). فأجابها الرب: "أَلَمْ أَقُلْ لَكِ: إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ اللهِ؟" (يو 11: 40). أجابت: "حاضر، الذي تراه مناسبًا". ثم وقف الرب أمام قبر لعازر،و نادى بصوت عظيم: "لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!" (يو 11: 43). فخرج الميت. 

 

مفهوم البعث وجهنم: تصحيح الموروثات الشعبية

  • تردد مرثا اليهودية على مسامع الرب الموروث اليهودي الذي انتقل من اليهودية إلى المسيحية ثم إلى الإسلام. والموروث اليهودي مأخوذ من الفكرة المصرية القديمة، وهي البعث والنشور.
  • ما هي فكرة البعث والنشور؟ إن الأموات سيُبعثون. ولذلك كانوا حريصين على تحنيط أجساد الموتى والمحافظة عليها. ولذلك كانوا حريصين على بناء المقابر من الحجارة، وكانت مزينة ومرسومة وفخمة. لأنه سيُبعث وسيحيا في هذا المكان، وكانت كل الأشياء التي يحبها توضع معه. المهم أن الجميع سيُبعثون، وهي القيامة. وبعد أن يقوموا جميعًا يواجهون الحساب، فإما يكون هنالك الثواب وإما يكون هنالك العقاب، فالبعث للجميع. الجميع سيقومون، ولكن كيف يقومون؟ يقومون بأجسادهم التي ماتوا بها، وإلا فكيف يكون بعثًا؟ يحيون من جديد ويواجهون المحكمة، والمحكمة أو المحاكمة ستؤول إلى العقاب أو إلى الثواب. هذه هي النظرية الفرعونية التي انتقلت إلى كل العالم. والتي ربما تعلم بعضكم المسيحية بهذا الشكل، ورُكِّب فهم العبارات الإنجيلية على هذه النظرية، حتى إن الموروث الشعبي يقول إن الناس ستذهب إلى جهنم، لأن الرب نفسه قال في إنجيل متى: "خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْوَرَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي جَهَنَّمِ النَّارِ وَلَكَ عَيْنَانِ." (مت 18: 9).
  • بالطبع لا يوجد شيء اسمه جهنم. فما هي جهنم التي في الإنجيل؟ جهنم التي في الإنجيل هي جي هنوم، وهي وادي هنوم (وادي ابن هنوم). فما سبب الربط بين وادي هنوم وفكرة جهنم؟ الفكرة هي أن وادي هنوم كان يقع أسفل الجبل الذي بنيت عليه أورشليم. وكانوا يلقون في الوادي بالقمامة والحيوانات الميتة وما شابه. وللتخلص من العفن والرائحة الكريهة للقمامة التي يلقونها من المدينة من على الجبل إلى الوادي بصفة منتظمة، أضرموا فيها النيران. وكل يوم يرمون قمامة جديدة، وبالتالي كانت النار مشتعلة في الوادي بصفة منتظمة. فعند دخولك المدينة أو خروجك منها، لا بد أن تمر على النيران الكبيرة التي لا تنطفئ في وادي هنوم، جي هنوم. ومن ثم، فإن تعبير جي هنوم هو تعبير تصويري لواقع موجود. "وَبَنَوْا مُرْتَفَعَاتِ تُوفَةَ الَّتِي فِي وَادِي ابْنِ هِنُّومَ لِيُحْرِقُوا بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمْ بِالنَّارِ، الَّذِي لَمْ آمُرْ بِهِ وَلاَ صَعِدَ عَلَى قَلْبِي. «لِذلِكَ هَا هِيَ أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَلاَ يُسَمَّى بَعْدُ تُوفَةُ وَلاَ وَادِي ابْنِ هِنُّومَ، بَلْ وَادِي الْقَتْلِ. وَيَدْفِنُونَ فِي تُوفَةَ حَتَّى لاَ يَكُونَ مَوْضِعٌ." (إر 7: 31-32).
  • لقد تحول هذا الموروث، عندما انتقل إلى باقي الديانات، إلى أن جهنم حفرة كبيرة، أعد الله فيها نارًا ليلقي فيها الناس ويجدد جلودهم لكي يبقوا مشويين، إلى آخره من هذه التصورات. ربما تتساءل عن الصورة القائلة بأن "وَيَصْعَدُ دُخَانُ عَذَابِهِمْ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (رؤ 14: 11)؟ هذه الصورة موجودة في العهد القديم، تحديدًا في سفر إشعياء: "لأَنَّ دُودَهُمْ لاَ يَمُوتُ وَنَارُهُمْ لاَ تُطْفَأُ" (إش 66: 24). النص مأخوذ من سفر إشعياء، وقد استخدمه الرب. كان الرب يتكلم بلغة الخطاب التي يعيشها المجتمع، ويستخدم التعبيرات والتشبيهات التي يعيشها المجتمع. حتى الأمثال، مثلما نقول "على رأي المثل"، حتى الأمثال التي كانوا يستعملونها كان الرب يستعملها. مثل: "زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا! نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَلْطِمُوا!" (مت 11: 17)، و "لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَب" (مت 15: 26). كل هذه كانت أمثالًا يتداولونها. فقد كان يستعمل لغة الخطاب المتداولة والمعلومة. فهو استخدم تعبير نبوة إشعياء حيث نارهم لا تطفأ ودود لا يموت. الرب استخدمه واستخدم تعبير جي هنوم على النار المضطرمة. لكن هل الإنجيل يتحدث عن حريق، حفرة كبيرة مملوءة بالنار يلقى فيها البشر؟ الإجابة لا. بل يتحدث الإنجيل عن النار المعدة لإبليس وملائكته!!

 

القيامة في التعليم المسيحي: ثلاثة أنواع

  • إذن، النار التي يتحدث عنها الإنجيل هي حالة إبليس وملائكته، التي سينضم إليها من يتبع إبليس وملائكته. فالفكرة المسيحية أو التعليم المسيحي ليس هو النسخة الفرعونية اليهودية التي تصورتها مرثا، والتي نتصورها جميعًا. وهي أن في يوم القيامة بقدرة الله تعالى، وبسبب هذا اليوم، وبقدرة الله تعالى، سيقوم كل البشر من الموت. وبعد أن يقوموا من الموت يذهبون إلى الحساب. هذه الفكرة ليست التعليم المسيحي، بل هو التعليم الفرعوني اليهودي الذي انحدر إلينا، والذي ردّدته مرثا اليهودية على مسامع الرب. فأجرى الرب التصحيح لما هو التعليم المسيحي، فما هو هذا التصحيح؟ أن فكرة أن كل الناس ستقوم، ليست دقيقة تمامًا. الرب تحدث في إنجيل يوحنا الإصحاح الخامس عن ثلاثة أنواع من القيامة، قائلاً: ثلاثة أشكال من القيامة:
  • القيامة الأولى: القيامة من موت الخطية:
    الشكل الأول يقول: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ، حِينَ يَسْمَعُ الأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ اللهِ، وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ." (يو 5: 25): لاحظ أن هذه الساعة قد أتت الآن. ثانيًا: حين يسمع الأموات، فماذا يسمعون؟ يسمعون صوت ابن الله والسامعون يحيون. وهذه هي القيامة الأولى. والشرح كتبه القديس أغسطينوس في كتاب "مدينة الله" وهو ما سأقوله الآن: إذ كنتم أمواتًا بالذنوب والخطايا، أحياكم مع المسيح. "وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلًا حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ،" (أف 2: 1-2).
    - بما أننا نتكلم عن القيامة، ففي رسالة أفسس 2: 4-5 يقول: "اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ - بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ -" (أف 2: 4-5).
    - إذن، "إذ كنتم أمواتًا بالذنوب والخطايا" و "ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح". فهذه هي القيامة الأولى، أي القيامة من موت الذنوب والخطايا. والقيامة الأولى هي: أحياكم مع المسيح. كيف يسمع الأموات صوت ابن الله؟ إذا كنت أنا ميتًا بالذنوب والخطايا، فعندما جاء صوت ابن الله إلي بكلمة الله، بكلمته: "اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ" (يو 6: 63). عندما سمعت وقبلت كلمة الحياة الخارجة منه، دخلت الحياة إليّ. "فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غل 2: 20). هذه هي القيامة الأولى.
  • القيامة الثانية والثالثة: قيامة الحياة وقيامة الدينونة:
    - أما القيامة الثانية فما هي؟ هي: "تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ" (يو 5: 28-29). إذن، الموقف الثاني هو يوحنا 5: 29. الأول قال: "يسمع الأموات". والثاني، في نفس الإصحاح، يقول: "يخرج الذين فعلوا السيئات إلى قيامة الدينونة، والذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة".
    - إذن، هاتان قيامتان وليستا قيامة واحدة. لذلك قلت ثلاث قيامات. القيامة الأولى هي القيامة من موت الخطية. وبعدها تأتي القيامة الثانية، وهي في الواقع قيامتان وليست قيامة واحدة. فليس الأمر أن الناس كلها ستقوم ثم تتحاسب حسب نظرية البعث، بل الذين فعلوا الصالحات يقومون إلى قيامة الحياة، والذين فعلوا السيئات يقومون إلى قيامة الدينونة.

 

طبيعة أجساد القيامة والتحورات الثلاثة

  • ماذا يعني ذلك؟ بالطبع، ليس لديّ كل الإجابات عن ذلك بشكل كامل. لكن على الأقل أستطيع القول من خلال النص الذي أمامي: "فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ،"(يو 5: 28-29)، فهناك جسد القيامة! وقد شرحها القديس بولس الرسول: "هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ" (1 كو 15: 51).
  • وهنا يجيب القديس إيريناؤس على السؤال: "أنتم تقولون إن الأمر ليس بناءً على الأعمال، لكن النص يقول: "الذين فعلوا الصالحات"." فيجيب قائلاً: "لا، إن فعلوا الصالحات هنا هي العلامة المميزة، لأن حياة هؤلاء كانت مقدسة، وليس أن الأمر بناء على عمل الصالحات وعمل السيئات. هذا كلام القديس إيريناؤس". فالذين عملوا الصالحات، أي الذين أثمرت حياتهم بالصالحات، هؤلاء سيخرجون من القبور إلى قيامة الحياة. 
  • ونحن لا نسبق الراقدين، بل الراقدون في المسيح هم الذين سيسبقون. أي الراقدين في الرب. "ثُمَّ لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ. لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ. فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا" (1 تس 4: 13-16).
  • لاحظ أن قيامة الحياة تخص الأموات في المسيح. هم الذين سيقومون أولًا. يقومون بأجساد القيامة. ونصوص كورنثوس 15 تكون أكثر وضوحًا. "فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ" (1 كو 15: 52). إذن، قيامة الحياة لا تعني أننا سنقوم بالأجساد التي متنا بها، بل تعني أن الأموات سيقومون بأجساد القيامة، بأجساد عديمة الفساد. لأن هذا الفاسد لا بد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت. "لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ." (1 كو 15: 53): فهذا الجسد الفاسد، القابل للفساد، لا بد أن يتغير إلى صورة جسد القيامة. فالذين سبقوا ورقدوا سيسبقون المعاصرين لمجيء المسيح الذين سيتغيرون، أي سيتغيرون من صورة هذا الجسد القابل للفساد إلى صورة جسد القيامة.
  • القديس غريغوريوس النيسي شرح ثلاث تحورات للجسد على النحو التالي:
    - الأولى: الرب ولد من العذراء بجسد يشبه جسدنا هذا.
    الثانية: عندما قبل الموت وقام من الأموات، الجسد نفسه الذي دفن به هو الذي قام به، ولكنه تحور إلى تحور آخر هو جسد القيامة. فجسد القيامة بات قادرًا على الدخول والأبواب مغلقة، وقادرًا على الارتفاع إلى السماء، وهو غير قابل للموت، ولا يذوق الموت مرة أخرى، فقد مات مرة واحدة. "لأَنَّ الْمَوْتَ الَّذِي مَاتَهُ قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالْحَيَاةُ الَّتِي يَحْيَاهَا فَيَحْيَاهَا للهِ." (رو 6: 10).
    الثالثة: جسد القيامة الذي ارتفع به المسيح إلى الآب، عندما دخل إلى مجده، تحور إلى صورة جسد مجده. الذي لا نعرف شكله، أي كيف يكون الجسد في صورة المجد. ولكننا نعرف أننا سنتغير إلى تلك الصورة عينها.

 

معاينة مجد المسيح والاختطاف

  • نحن الذين سنعاصر مجيء الرب سنتغير. أي، عندما يأتي الرب، وقبل أن أتغير أنا إلى صورة جسد القيامة، يجب أن يقوم الأموات أولاً. فعندما يقوم الأموات، سيقومون بصورة جسد القيامة، وهذه هي قيامة الحياة. والمعاصرون سيتغيرون من صورة الجسد القابل للفساد إلى صورة جسد القيامة. وبعد ذلك، هؤلاء وأولئك، بسبب معاينة مجيء المسيح في مجده (هذا سنشرحه بالتفصيل عندما نتكلم عن الرؤية والمعاينة)، فبسبب الرؤية والمعاينة سيتغيرون إلى صورة جسد مجده: هذا اختبار، اختبار المعاينة التي تغيرنا إلى تلك الصورة عينها!!
  • فبسبب أن هؤلاء وأولئك سيعاينون مجد الرب، نتغير إلى تلك الصورة عينها. لأننا سنراه كما هو: المعاينة هي التي ستغيرنا إلى صورة جسد مجده. هذا سيؤهلنا للاختبار التالي وهو الاختطاف. الاختطاف ليس شفاطات هواء ستقوم بسحبنا فنختطف. لا، الاختطاف هذا اختبار: اختبار يحدث فيه حالة من المعاينة والتغير إلى تلك الصورة عينها. كذلك، كل هذا سنشرحه عندما نتكلم عن المعاينة. 
  • تكلم أبونا متى المسكين في كتاب "حياة الصلاة" عن المعاينة و الرؤية ولكنني حريص على أن أشرحه بطريقة عملية لكم جميعًا بنعمة المسيح: الرؤية التي تغيرنا إلى صورة مجده: "وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ." (2 كو 3: 18): فهذا اختبار الرؤية والمعاينة سيغيرنا إلى تلك الصورة عينها. فالاختطاف هو حالة ارتقاء، وهو تعبير مناسب: ارتقاء إلى تلك الصورة عينها: "وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ." (2 كو 3: 18).
  • فالارتقاء إلى صورة مجده سيأخذني إليه. لأن ما سيغيرني إلى صورة مجده هو حالة الحب والاتحاد. فما دامت هناك محبة واتحاد، فلا بد أن أُؤخذ من على الأرض. فلم يعد لي مكان في الأرض، بل إلى بيت الآب. وإلى حالة الاتحاد الكامل، وهي حالة العرس، الاتحاد الكامل بابن الله. 

 

المسيح هو القيامة وسببها

  • أنتهى الموروث الفرعوني اليهودي إلى أن سبب القيامة هو قدرة الله تعالى في يوم القيامة. وهذا ما قالته مرثا للمسيح. والذي صححه المسيح لها قائلاً: "لا، أولاً، ليس سبب القيامة قدرة الله تعالى على القيامة، بل أنا هو القيامة. أنا هو سبب القيامة، وأنا هو مانح القيامة، وأنا أقيمه في اليوم الأخير" .هذا أولاً. وماذا يعني ذلك؟ 
  • إبليس بالموت استطاع أن يسود على كل الخليقة، وصار هو رئيس لهذا العالم بالموت. لو لم يكن هنالك إنسان قد غلب الموت وصنع القيامة، لما وُجِدَ ما يسمى بالقيامة من الأموات. إذن، هي تقول له: "أنا أعلم أنه سيقوم في يوم القيامة". لا يوجد شيء اسمه يوم القيامة، أنا هو يوم القيامة، أنا القيامة: "قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهذَا؟»" (يو 11: 25-26).
  • أترى الفرق الآن بين التعليم المسيحي للعهد الجديد وبين التعليم الذي درج عليه الناس جميعًا؟ لو لم يكن المسيح قد قام من الأموات، لما كان هنالك شيء اسمه يوم القيامة. لأن يوم القيامة، وهو قيامة الحياة، سببها أنه غلب الموت وأبطل الموت وأنار الخلود والحياة بالإنجيل. كما ورد: "الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ، وَإِنَّمَا أُظْهِرَتِ الآنَ بِظُهُورِ مُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَبْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالْخُلُودَ بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيلِ" (2 تي 1: 9-10).
  • إذن، لو لم يكن الرب يسوع المسيح قد أبطل الموت وقام باكورة للراقدين: "وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ." (1 كو 15: 20)، لما كان هناك شيء اسمه يوم القيامة. إذن، سبب يوم القيامة ليس قدرة الله تعالى على إحياء الميت وهو رميم. ولكن بحسب الإنجيل، سبب القيامة هو أن يسوع المسيح أبطل الموت وأنار الحياة والخلود بالإنجيل: "الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ، وَإِنَّمَا أُظْهِرَتِ الآنَ بِظُهُورِ مُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَبْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالْخُلُودَ بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيلِ." (2 تي 1: 9-10).
  • إذن، نحن نتكلم عن قيامة الحياة. لذلك، لعازر لم يقم قيامة الحياة، بل قام بنفس الجسد الذي مات به، ومن ثم مات لعازر بعد ذلك مرة أخرى. لكننا نتكلم الآن عن قيامة الحياة. كما في قوله: "فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا" (1 تس 4: 15-16).


فرصة التوبة والمغفرة في الدهر الآتي

  • أنا أعلم بالطبع أنني أقول كلامًا غريبًا على مسامعكم، لأننا لم ندرس الإنجيل. وهذا ما أحاول فعله الآن. إن التعليم الغربي الذي تربينا عليه، والذي ربّانا عليه قادتنا، قد حذف كل هذه الأشياء.
  • الدليل على إنه في الجحيم فرصة للتوبة ولتبشير الأموات، من العهد الجديد. كما ورد: "فَإِنَّهُ لأَجْلِ هذَا بُشِّرَ الْمَوْتى أَيْضًا، لِكَيْ يُدَانُوا حَسَبَ النَّاسِ بِالْجَسَدِ، وَلكِنْ لِيَحْيَوْا حَسَبَ اللهِ بِالرُّوحِ" (1 بط 4: 6). وأيضًا: "الَّذِي فِيهِ أَيْضًا ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ، إِذْ عَصَتْ قَدِيمًا، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ" (1 بط 3: 19-20).
  • نصلى في كل قداس صلوات الترحيم والصلاة من أجل الراقدين، غير فاطنين أن هناك فرصة للراقدين للتوبة: فهل هناك فرصة للراقدين للتوبة؟ المسيح هو الذي قال ذلك. حتى لو لم يعجب هذا التعليم الغربي الذي تربى عليه الناس. ماذا قال الرب يسوع المسيح؟ مرقس 3: 29 (الترجمة اليسوعية): "أَمّا مَن جَدَّفَ على الرُّوحِ القُدُس، فَلا مَغْفِرَةَ لَهُ أَبَدًا، بل هوَ مُلزَمٌ بِخَطيئَةٍ أَبَدِيَّة."، لكن النص في الترجمة البيروتية هو: "لَنْ يُغْفَرَ لَهُ لاَ فِي هذَا الدَّهْرِ وَلاَ فِي الدَّهْرِ الآتِي" (مت 12: 31-32). بينما الترجمة اليسوعية تقول: "فليس له مغفرة إلى الأبد". إذن، هناك مغفرة في هذا الدهر ومغفرة في الدهر الآتي، ففي ذلك فرصة. وبالطبع، شرح هذا الكلام القديس إيريناؤس كما أوردت لكم.

 

قوة صوت المسيح

  • وهناك جزء مهم جدًا وهو صوت العريس، صوت المسيح. إن الذي أقام لعازر هو صوته، فقد نادى عليه. إن الذي يعطينا الحياة هو صوته، "لاَ تَتَعَجَّبُوا مِنْ هذَا، فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ،" (يو 5: 28): الذي سيحدث قيامة الذين في القبور هو صوته. كما قيل: "إِلهُ آبَائِنَا انْتَخَبَكَ لِتَعْلَمَ مَشِيئَتَهُ، وَتُبْصِرَ الْبَارَّ، وَتَسْمَعَ صَوْتًا مِنْ فَمِهِ. لأَنَّكَ سَتَكُونُ لَهُ شَاهِدًا لِجَمِيعِ النَّاسِ بِمَا رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ" (أع 22: 14-15). وأيضًا: "إِنَّ أَنْبِيَاءَ وَأَبْرَارًا كَثِيرِينَ اشْتَهَوْا أَنْ يَرَوْا مَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ وَلَمْ يَرَوْا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا" (مت 13: 17).
  • إن صوته ينقل الحياة التي فيه، وأنت تستلم الحياة عندما تسمع صوته وتطيعه. "اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ" (يو 6: 63). فكيف يتحول الاستماع إلى روح وحياة ولا يصير إلى دينونة؟ يصير إلى دينونة عندما يحب الناس الظلمة أكثر من النور. يصير صوته إلى حياة عندما يمتزج صوته بالطاعة. لذلك، تتكلم رسالة العبرانيين عن الذين سمعوا صوته، ولم يكن الاستماع لصوته ممتزجًا بالطاعة، فصار إلى الدينونة.

 

مجيء المسيح الثاني والدينونة

  • أرجو أن أكون قد عالجت المفاتيح الأساسية لمعنى العهد الجديد لـ "أنا هو القيامة والحياة". ما سيحدث في مجيء المسيح الثاني أنه سيظهر بمجده. والمواجهة مع مجده هي التي ستمنح للغالبين نعمة التغير إلى صورة مجده. أيها الأحباء: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ" (1 يو 3: 2). وهذه المواجهة مع نوره ومجده هي التي ستجعل الهاربين من النور "يُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِهِ" (2 تس 1: 9). (لم يقل سيعاقبهم الله).
  • استعلان مجده هو للخلاص ليغير القديسين ويأخذهم إلى هذا المجد، سيغطي الكل. فالهاربون من النور والهاربون من المجد، مواجهتهم مع استعلان مجده ستجعلهم معاقبين بالهلاك الأبدي. وهي حالة الهروب الأبدي من النور إلى الظلمة. "مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِهِ" (2 تس 1: 9). كما شرح القديس إيريناؤس.
  • فالإنجيل لا يوجد فيه أن الله سيقيم الناس ويجري لهم محاكمة، ويقول لهؤلاء "احترقوا بنار" وهؤلاء "تعالوا يا أخيار". لا، بل الإنجيل يوضح أن ابن الله سيظهر بمجده وسوف يشع منه المجد والحياة. وكما شرحت الآن، المجد سيصير تمجيدًا للغالبين. والمجد سيكون دينونة للهاربين من وجه الرب ومن مجد قوته، فيجعلهم معاقبين بهلاك أبدي، وهو أن يمكثوا في أحضان الشيطان وفي الظلمة، هاربين من مجد الرب إلى الأبد. 
  • ولكن الإضافة التي ألححت عليها في هذه المحاضرة هي فرصة النور، أي التطهر بالنور الذي سينقل المغلوبين، الذين ينتظرون رجاء القيامة والمعونة، لكي يدخلوا في طهر التوبة. إذن، هناك توبة في الدهر الآتي: "لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا التَّجْدِيفُ عَلَى الرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ. وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لاَ فِي هذَا الْعَالَمِ وَلاَ فِي الآتِي." (مت 12: 31-32): إذن، هناك مغفرة في الدهر الآتي. 

 

عنوان المحاضرة القادمة "له أُظهر ذاتي"

Powered By GSTV