لأنَّني رَبَوتُ في حارةِ النَّصارى التي تحتضنُ مسلمين، فقد تعلَّمتُ من نُعومةِ أظافري معنى التَّعايُش والمودَّة المتبادَلة بين المسلمين والمسيحيين على السَّواء، فقد كان الطَّرفان يتباريان في تقديم المودَّة بعضهما لبعض.
ولأنَّني تعلَّمتُ مُبكرًا معنى المحبَّة بحسب الإنجيل، فقد غَسلت المحبَّةُ قلبي من كلِّ قصص المظالِم والاضطهاد التي عانى منها الأقباطُ المسيحيون على أيدي وُلاةٍ مسلمين، بل إنَّني لمَّا كَبُرتُ صِرتُ أَسخر وأرفضُ منطق الكراهية التَّاريخي؛ فما ذَنبُ جاري وزميلي المسلم، الذي يُعاملني بمودَّة، فيما صَنَعه آخرون عاشوا على هذه الأرض قبل مئات السنين؟!
ولمَّا تخصَّصتُ في الدِّراسة اللاهوتيَّة، أخذتُ على عاتقي أن أُعيد شرحَ الإيمان المسيحي للمسلمين، الذين انتشرتْ بينهم أفكارٌ مُثيرة للشَّفقة عن المسيحيَّة، مثل: أنَّ الله تزوَّج العذراء مريم وأنجب المسيح، لذلك ندعوه ابنَ الله! أو أنَّ المسيحيين يَعبدون ثلاثةَ آلهة، وتُرَّهاتٌ شعبيَّةٌ أُخَر لا أَقوى على إعادة ذِكرها؛ سعيًا منِّي لتحقيق التَّعايُش بين المسيحيين والمسلمين، وتماسكِ ووَحدة المصريين في مواجهة التَّحديات.
وقد رأيتُ تقديرًا واستحسانًا لما أنجزتُ، في أعينِ كثرةٍ من المثقفين والمسؤولين عن الدَّولة، وكذلك بعضًا من أساتذة ومشايخ الأزهر، الذين شرفتُ بحضورهم ندواتي الثَّقافية أو الحواريَّة بين الأديان.
وعلى أنَّني – رغم ما قدَّمتُه من جهودٍ مُخلِصة في هذا المجال، حصدتُ بعدها الكثيرَ من ردود الفعل الإيجابيَّة – لا أَنتقدُ ردود الأفعال الشَّخصيَّة، مثل عدم قدرةِ شخصٍ مُهذَّب كرئيس الوزراء على مُجرَّد أن ينطِق كلمة "عيد القيامة المجيد". هذه حُريته، وأنا أُحبُّه وأحترمُ حُريته.
لكنَّني غيرُ قادر – حتَّى الآن – على فهم التَّصرُّفات التي تنتمي إلى سياسةِ الدَّولة، مثل: الإبقاء على المادَّة السابعة من دستور الإخوان المسلمين، التي تنصُّ على أنَّ شيخَ الأزهر (مع كاملِ احترامي) هو المسؤول عن الشُّؤون الدينيَّة في مصر، دون تعريف بـ"الشؤون الدينيَّة الإسلاميَّة".
فهل نحتاجُ إلى دَرء الشُّبُهات بتعريفِ الشؤون الدينيَّة في المادَّة السابعة من الدُّستور بأنَّها "إسلاميَّة"؟
أم عليَّ أن أُصدِّق الرأيَ المُعاكِس، الذي جاهدتُ أن لا أُصدِّقَه، مُؤكِّدًا أنَّ الدَّولة المصريَّة – رغم كلِّ تصريحات رئيس الدولة – ما تزال ترى في المواطنين المسيحيين مواطنين ذمِّيِّين يخضعون لحكم المسلمين، حتى أنَّ إمام المسلمين هو المسؤول عن الشؤون الدينيَّة المسيحيَّة، مع بطاركتهم وأساقفتهم وقُسوسهم؟!
لقد أدَّيتُ دوري – على ما أظن – بالمودَّة والتَّعايُش والحوار بين المسيحيين والمسلمين؛ فهل يُدركُ غيري أنَّ إصرارهم على التَّمييز والذِّمِّيَّة هو قنبلة موقوتة لصالح أعداء هذا الوطن – مصر، لتفجيره؟!
دمتم جميعًا في أمان الله، ودامت مصر بخيرٍ وسلام.
بنسلفانيا – أمريكا
١٣ أغسطس ٢٠٢٥
لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "رأيٌ في الأحداث" اضغط على الرابط التالي: