إله محتجب أم إله مُستَعْلَن؟
Mar 31, 2025 22
980 79

إله محتجب أم إله مُستَعْلَن؟

مقدمة:

لقد وُلدت المسيحية من رحم اليهودية، ولذلك نجد أنه على مر العصور قد نشأ صراع فكري تاريخي بين المسيحية الوليد الجديد واليهودية حول فكرة واحدية الإله. هذا الصراع لم ينته، بل امتد ليطال أيضًا الإسلام بعد ظهوره، ونشأ صراعًا آخر بين الإسلام الدين الجديد والمسيحية، وكان بالقطع صراعًا متأثرًا بسابقه أي تأثر باليهودية واعتمد في ملامحه على نفس معطيات الصراع اليهودي المسيحي.

نستطيع بسهولة أن نميز أن الصراع الفكري تجاه المسيحية سواء من اليهودية أو الإسلام، كان - ولا يزال - يركز في الأساس على نقطة أساسية، ألا وهي التوحيد أو واحدية الإله، لدرجة أن حتى اليوم يستخدم اليهود المعاصرون وكذلك المسلمون نفس الأساليب والتساؤلات التي استخدمها الإنسان اليهودي المعاصر للمسيح مثل: "أجابه اليهود قائلين: لسنا نرجمك لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديف، فأنك وأنت إنسان تجعل نفسك الها." (يو 10: 33) و"فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضًا إن الله أبوه، معادلا نفسه بالله." (يو 5: 18).

 

موضوع المحاضرة:

تهدف هذه المحاضرة إلى توضيح الفرق الجوهري بين إعلانين مختلفين تمامًا عن الله:

أولًا: الإعلان اليهودي.

ثانيًا: الإعلان المسيحي.

 

أولًا: إعلان العهد القديم - الإعلان اليهودي:

أهم ملامح الإعلان اليهودي:

1- واحدية الإله.

2- الافتخار اليهودي.

3- الإله المحتجب.

4- الهاوية.

 

أولاً: إعلان العهد القديم عن الله - (الإعلان اليهودي)

واحدية الإله – الافتخار اليهودي:

 - لقد أعلن موسى النبي لليهود واحدية الله قائلًا: "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد"(تث:6: 4). وهذا الإعلان كان أحد محاور وأبعاد الافتخار اليهودي. فالناموس اليهودي يؤمن ويبشر برب واحد، وإله واحد، وهذا مدعاة افتخار أي يهودي، فهم القوم الذين ينادون بواحدية الإله، وأن ديانتهم (اليهودية) تؤمن وتبشر برب واحد في مواجهة شعوب وفرق تنادي بتعدد الآلهة، شعوب غير مؤمنة بإله واحد.

- السؤال الذي يطرح نفسه الآن، من أين أتى موسى بهذا الإعلان؟ من أين علم أن الله واحد؟ هل أخبره الله نفسه بذلك؟ ولعل البعض يجد أن ذلك يعد سؤالًا ساذجًا، فبالتأكيد قد أعلن الله لموسى بالوحي الإلهي أنه إله واحد، ومن ثم نقل هذا الإعلان للشعب اليهودي!

- في حقيقة الأمر إذا سلمنا بما سبق، سوف نصطدم ببعض التناقضات داخل العهد القديم نفسه، وسوف نرتبك ذهنيًا لو تبحرنا أيضًا في إعلان العهد الجديد عن الله:  

أ- بماذا يخبرنا العهد القديم؟

1- عندما طلب موسى، في سفر الخروج، أن يرى الله، كان الرد: "لا يراني الإنسان ويعيش". "وقال لا تقدر ان ترى وجهي. لأن الانسان لا يراني ويعيش." (خر 33: 20)

2- تسجيل أول لقاء بين موسى والله في سفر الخروج، كانت هناك ألفاظ تم استخدامها توحي بأنه الله ليس موجودًا في المشهد مثل: ناداه ملاك الله ثم قال الله، فهل من قابله موسى هو الله أم ملاك الله؟

 

ب- بماذا يخبرنا العهد الجديد؟

1- لقد أعلن المسيح نفسه: "والآب نفسه الذي ارسلني يشهد لي. لم تسمعوا صوته قط، ولا ابصرتم هيئته،" (يو 5: 37). قولًا واحدًا، الله لم يره أحد قط.

2- سفر أعمال الرسل يعلنها بوضوح أن الشعب القديم قد أخذوا الناموس بترتيب ملائكة ولم يحفظوه. "الذين اخذتم الناموس بترتيب ملائكة ولم تحفظوه" (اع 7: 53).

- نستطيع أن نستنتج مما سبق أن أداة التواصل مع إنسان العهد القديم كانت هي الملائكة، وبما أن الملاك كان مرسلًا من الله؛ فمن الجائز والمقبول أن يقال عن الملاك مرة ملاك الله ومرة أخرى الله، وتكرر الموقف أيضًا مع أبينا إبراهيم عند زيارة الملائكة له.. فالذي كان يكلم موسى هو ملاك الرب لأن الله لم يكلم موسى، وعندما يقول العهد القديم كان موسى يتكلم مع الله كما يكلم الواحد صاحبه كان المقصود حقًا ملاك الله، لأن المسيح قد أعلنها صراحة "لا سمعتم صوته ولا رأيتم هيئته"، وما كان يحدث من تدخلات الله في العهد القديم كان بواسطة الملائكة كما أعلن سفر أعمال الرسل "أخذوا الناموس بترتيب ملائكة ولم يحفظوه".

- ويظل السؤال، هل أبلغ الملائكة موسى بواحدية الله؟ والإجابة البسيطة السهلة، قطعًا نعم، فمن غير الملائكة يستطيع أن يبلغ الأنبياء عن أمر يخص الله؟ والإجابة ببساطة أنه مع قليل من البحث في خلفية موسى النبي، ترى أنه تربى في القصر الفرعوني، وكان ابنًا لابنة فرعون، وتهذب بكل حكمة المصريين. وكان بمثابة الفرعون الصغير الذي ينتظره مستقبل لامع في حكم المملكة المصرية بأسرها، نجد أنه قد تأثر جدًا بفكرة التوحيد التي كان يتبناها المصريون آنذاك، فقد تعلم حتمًا عن واحدية الإله من عبادة أخناتون. وهناك أدلة تاريخية على ما سبق ذكره مثل التشابه بين تصميم المعابد الفرعونية وتصميم الهيكل اليهودي، فالتصميم واحد تقريبًا، وذلك يتضح في أغلب الآثار الفرعونية القديمة مثل معبد دندرة، فنجد أن كل من المعبد الفرعوني والهيكل اليهودي يحتوي على قدس وقدس أقداس ودار خارجية.....

- وهنالك نقطة جوهرية، أنه كيف آمن هذا الشعب بواحدية الإله؟ هل فقط عندما أبلغهم موسى النبي بذلك؟ كلا، لقد طلبوا البرهان، وهذا ما ظهر جليًا حين صارت بروق ورعود على رأس الجبل، فخاف الشعب وخاف موسى نفسه وارتعب، فآمن الشعب بالإله الواحد، وبعبده موسى، فقد تأسس الإيمان بالإله الواحد وعلاقة الشعب بهذا الإله على أنه إله بروق ورعود!!! وهي علاقة هشة لا تغني ولا تسمن من جوع.

- ومما سبق نستطيع أن نقول إن الشعب اليهودي لم يكن بالقطع هو أول شعوب الأرض الموحدة بالإله، لأن أول من أعلن واحدية الإله لليهود كان موسى النبي الذي تهذب بحكمة المصريين وتأثر بتوحيدهم في عبادتهم لأخناتون، بل ذهب هذا التأثر ليشمل تصميم الهيكل اليهودي حيث شابه جداً تصميم المعابد الفرعونية.

 

الإله المحتجب – الهاوية:

- ومن هنا يجدر بنا الإشارة إلى أن علاقة الشعب اليهودي بهذا الإله الواحد كانت مبنية على أمور سطحية دون أن تكون هناك معرفة حقيقية بالإله، فهو إله غائب، إله محتجب، كما وصفه العهد القديم نفسه. "حقًا انت إله محتجب يا إله اسرائيل المخلص." (اش 45: 15).

- ولعل يتساءل سائل بعد هذا السرد عن الآباء، إبراهيم وإسحاق ويعقوب وباقي الآباء، وكيف أنهم مدعاة للافتخار والتباهي باتباعهم لهذا الإله وحياتهم التي عاشوها على الأرض، وكيف كانوا ممدوحين في العهد القديم والعهد الجديد أيضًا!! في حقيقة الأمر أنه لو دققنا النظر، نستطيع أن نفهم ما ذكره الرب يسوع في إنجيل لوقا عندما سرد قصة الغني ولعازر، نفاجأ أن أبينا إبراهيم أيضًا شخصيًا في الهاوية، ويعلن العهد الجديد أيضًا أن المسيح بعد موته نزل إلى الجحيم إلى أقسام الأرض السفلى: سبا سبيا وأخرج المأسورين من الجب وأصعدهم إلى السماء.

- ليس من الصعب الآن أن ندرك أنه إذا كان الافتخار اليهودي بواحدية الإله قد أخذ مداه في التعاظم والاستعلاء، إلا أنه كان يتعامل مع إله غائب محتجب، وأيضًا إذا كان آباؤهم سبب افتخارهم، نستطيع أن ندرك أيضًا أن موسى والأنبياء والآباء كانوا جميعًا في الأسر في الهاوية وكانوا في حاجة إلى المنقذ.

- أليس هذا هو الإعلان اليهودي وسبب الافتخار - الإله الواحد؟ واستخدام هذا المفهوم في خلق الصراع مع المسيحية والافتراء عليها بادعاء أنها تبشر بعبادة ثلاثة آلهة؟ فالإيمان اليهودي في حقيقة أمره يرتكز على أشياء غامضة تنتهي إلى الهاوية.

 

ثانيًا: إعلان العهد الجديد - الإعلان المسيحي

أهم ملامح الإعلان المسيحي:

1- الإله المُستَعْلَن

2- ثلاثة أقانيم في ذات إلهية واحدة

3- لا أشخاص في الثالوث - ما معنى الأقنوم؟

4- كل شيء من الآب بالابن في الروح القدس - دائرة الثالوث المغلقة  

 

1- الإله المُستَعْلَن:

- يجدر بنا أن نبدأ الإعلان المسيحي من أن أنبياء وأبرارًا كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا، أما أنتم فطوبى لعيونكم لأنها تبصر ولآذانكم لأنها تسمع "مت 13: 16–17"، وأيضًا أعرف إنسانًا في المسيح قبل  14 سنة هذا اختطف إلى الفردوس وسمع كلمات لا يسوغ أن ينطق بها "2 كو 12: 2–4"، ما لم تره عين ولم تسمع به أذن وما لم يخطر على قلب بشر "1 كو 2: 9". وأيضًا الأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا وأعظم منها "يو 14: 12"، هذا مستوى آخر وإعلان فريد!!!

- هذا الإعلان فيه رؤية وسمع بعكس "لم تسمعوا صوته ولم تروا هيئته"، فهذا إعلان جديد مختلف، وقد عاشت الكنيسة المسيحية على مر العصور كنيسة حية ومنتصرة، فقد أقام المؤمنون الموتى وشفوا مرضى وصنعوا معجزات وعملوا أعمال المسيح، وهناك أمثلة كثيرة في سفر أعمال الرسل أو من التاريخ، فهي علاقة أخرى بين الإنسان والله، إعلان مختلف تمامًا عن إعلان العهد القديم.

- كيف تكونت هذه العلاقة بين الإنسان والله، وما هو الاختلاف الذي حمله العهد الجديد؟ الإجابة بصورة قاطعة هي التجسد "الله ظهر في الجسد" (1 تي 3: 16)، كما شرحنا سابقًا، الآب (أصل النور) هو نور لا يقدر أحد أن يراه، هذا النور له شعاع نوره الذي هو ابنه، نور الآب، ابن الآب هو نوره، وهذا الشعاع أرسله الآب وظهر في الجسد وحل بيننا، لو لم يحدث هذا لما كان ممكنًا لنا أن نختبر قوة الله.

 

ثلاثة أقانيم فى ذات إلهية واحدة - لا أشخاص فى الثالوث - ما معنى الأقنوم؟

- نود أن نتكلم في هذه المحاضرة عن تفاصيل هامة بخصوص إعلان العهد الجديد عن الله، ففي المحاضرة السابقة تكلمنا عن ولادة الابن من الآب كولادة شعاع النور من أصل النور، وأيضًا عن انبثاق الروح القدس من الآب في الابن، وانتهينا إلى أن إعلان العهد الجديد يتكلم عن ثلاثة أقانيم في ذات إلهية واحدة.

- لا بد هنا أن نغوص في فهم كلمة "أقنوم"، فتعريف أقنوم على أنه شخص هو من الأخطاء الشائعة، فنحن في الشرق لم نستخدم مطلقًا كلمة شخص لتعريف كلمة أقنوم، فهي ترجمة غربية لكلمة أقنوم. ولقد حاول الكثيرون ترميم إشكالية هذه الترجمة وعلى رأسهم الأب متى المسكين، وقام بوضع تعريف جديد، قائلًا إن الأقنوم هو شخص تتكامل ذاته في آخر أي غير مستقل بذاته.

- المعضلة الحقيقية أنه إذا سلمنا بتلك التعريفات سوف نصطدم حتى مع المفهوم اليهودي، وبعده الإسلامي عن واحدية الإله، وتستطيع كلا الديانتين إلصاق تهمة تعدد الآلهة بالمسيحية حيث أنها تبشر بثلاثة أشخاص (آلهة)، حتى لو ذات إلهية واحدة!!!

- يشرح الأنبا غريغوريوس كلمة أقنوم (أصلها اللاتيني: Persona) ومعناها تشخيص أي صورة الشخص وليس معناها شخص، ويستطرد أيضًا في الشرح أن أقنوم أو هيبوستاسيس هو ما يقوم عليه الشيء.

- ذُكرت كلمة أقنوم "هيبوستاسيس" في العهد الجديد متصرفة في صيغة المضاف إليه: "الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره" في الترجمة اليسوعية وهي من أدق الترجمات العربية: "شعاع مجده وصورة جوهره". إذن معنى أقنوم الدقيق في اللغة العربية ليس قطعًا شخص، بل صورة جوهره: إذن الأقنوم هو صورة جوهرية للأصل، وحينما تكون صورة جوهرية للأصل تكون طبق الأصل، فإذا كان الأصل حي ناطق تكون صورته الجوهرية حية ناطقة، فالابن الأقنوم هو رسم جوهره "صورة جوهره" في الترجمة اليسوعية، فالأقنوم هو صورة جوهرية للأصل (الآب أصل الوجود) والابن هو الصورة الجوهرية للآب.

- يشرح القديس باسيليوس الكبير شرح مبسط للأقنوم ويقول: "تصور أنك أمام صورة الإمبراطور (استخدم تحديدًا صورة الإمبراطور لأنه هو الشخص الوحيد آنذاك الذي يصنع له صورة بالحجم الطبيعي) وصارت لهذه الصورة (التي بالحجم الطبيعي) صورة حية ناطقة، هذا هو معنى رسم جوهره أو صورة جوهره أو الصورة الجوهرية. إذن لو تصورت أن صورة الإمبراطور صارت حية ناطقة فهي صورة جوهرية للإمبراطور، أي صورة جوهره".

- كلمة "أقنوم" من غير الممكن أن تكون ترجمتها العربية "شخص"، ولا حتى "شخص غير مستقل بذاته". والإجابة القاطعة هي في رسالة العبرانيين الاصحاح الأول عدد 3: الأقنوم هو صورة جوهره، بمعنى أن الله نور لا نهائي وشعاع نوره هو صورة جوهرية للنور؛ فالأقنوم هو صورة جوهرية، فكل ما هو موجود في النور (كل ما يختص به النور) موجود في الشعاع، لأن شعاع النور هو الصورة الجوهرية لأصل النور، إذن أقنوم الابن هو الصورة الجوهرية للآب.

- يبقى السؤال إذا كان الابن هو الصورة الجوهرية للآب، هل يوجد ما يميز كل منهما عن الآخر، وإذا بعد ما يميز كل منهما عن الآخر، فكيف نستطيع أن نميز بينهما؟ لقد أجاب الأنبا غريغوريوس أن كل اللاهوتيين الأرثوذكس قد صاغوا حقيقة محددة وهي أننا لا نستطيع أن نميز بين الآب والابن إلا تمييزًا ذهنيًا!!

- نعود ونتساءل ما هي خصائص هذا التمييز الذهني؟ والذي يميز الآب عن الابن، أن الآب هو الآب والابن هو الابن، بمعنى أن الآب هو الأصل (أصل الوجود) والابن هو نور الآب الخارج منه، نور الآب هو شعاع النور الخارج من النور بدون فاصل زمني أو مسافة زمنية، فما دام النور موجودًا فبالقطع شعاعه موجود. لنأخذ مثالاً تطبيقيًا: إذا تكلمنا عن أي نور نستطيع ذهنيًا أن نفرق بين أصل النور أو مصدر النور وشعاع النور الخارج من مصدر النور، ونستطيع أيضًا أن نميز تطبيقيًا بينهما، فمثلا نعي جيدًا أن مصدر النور أو أصل النور لا سرعة له بعكس شعاع النور الذي يعبر المسافات لكي ينقل آثار النور إلى نقط أبعد من مصدر النور، فهو له سرعة وهي سرعة الضوء. وبهذا نكون قد ميزنا بين أصل النور الذي لا سرعة له، بل نستطيع قياس قوته بوحدة الـ Lumin، وبين شعاع النور الذي يملك سرعة وهي سرعة الضوء.

- إذن الشعاع في النور والنور في الشعاع، والشعاع دائم الولادة من النور لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض، أنا في الآب والآب في، ولكن هناك عنصر تمييزي أن الابن هو المولود من الآب (الشعاع في التشبيه السابق)، ومن ثم فإن الشعاع هو الذي يُظهر النور أو يُعلن النور، كما أن الابن هو الذي يُعلن الآب، لأن الآب لم يره أحد قط ولن يراه أحد قط، ولكننا سنرى الآب في وجه يسوع المسيح، فالابن هو الذي يعلن الآب. "ليس أن أحدا رأى الآب إلا الذي من الله. هذا قد رأى الآب." (يو 6: 46). "كل شيء قد دفع إلي من أبي، وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له." (مت 11: 27). ولأن الابن هو شعاع النور المولود من النور فهو الصورة الجوهرية، وبما أن الآب حي ناطق؛ فالابن (الصورة الجوهرية) حي ناطق، فهو صورة الله غير المنظور، فالابن هو الصورة الجوهرية للآب.

 

- بالقطع هناك تساؤلات كثيرة ترتبت على هذه الحقائق وتم الإجابة عليها من آباء الكنيسة على مر العصور وإليكم بعض الأسئلة:

1- يعلن لنا العهد الجديد أن الآب يكلم الابن، فهل تستطيع الشمس أن تكلم اشعتها؟ بالقطع لو الشمس من الأصل تتكلم فلا بد أيضًا أن شعاعها يكون ناطقًا ويتكلم، ولكن من الأساس الشمس لا تتكلم.

2- حينما تجسد المسيح ونزل إلى الأرض من كان في السماء؟ بالقطع تصوير أن التجسد معناه أن الابن نزل من السماء ودخل منحبسًا في جسد إنساني، هذا فكر ساذج وغير منطقي، فكيف للنور الأزلي الأبدي الذي لا حدود له، هذا النور اللانهائي أن يسجن في الجسد وأن ينحصر داخل الجسد؟! فالتجسد معناه أن الله ظهر بنوره بابنه في الجسد، فالتجسد هو أنه ظهر وليس انحصر في الجسد... حل فيه كل ملء اللاهوت (كو 2: 9).

3- إذا كان الأقنوم شخص غير مستقل بذاته، بذلك تكون المسيحية تبشر بثالوث يحوي ثلاثة أشخاص، ويكون رد العامة والخاصة - بكل أسف - من المسيحيين نعم ثلاثة أشخاص ولكن في جوهر واحد أو واحد في جوهرهم، ولقد نشأ المسيحيون على استخدام هذه الإجابة دون وعي أو دراسة، لدرجة أنهم يستخدمون المثال الذي ساقه القديس باسيليوس الكبير ليشرح معنى الجوهر، وضرب مثالًا أن بطرس ويعقوب ويوحنا هم ثلاثة أشخاص من نفس الجوهر أي الجوهر الإنساني، ففي هذا المثال لا يشرح القديس باسيليوس الكبير معنى الأقنوم ولكن يشرح معنى كلمة جوهر!! وعلى ذلك نقول ونؤكد أن ثالوث المسيحية لا يحوي ثلاثة أشخاص، إعلان العهد الجديد وإيمان الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية لا يعترف أن أقنوم معناها شخص، بل أقنوم ترجمتها الدقيقة الصورة الجوهرية، فثالوث المسيحية هو ثلاثة أقانيم وليس ثلاثة أشخاص، أي ثلاث صور جوهرية لذات إلهية واحدة أو في ذات إلهية واحدة، إذن فالأقانيم هي صور جوهرية لذات إلهية واحدة، وعنصر الوحدة في الثالوث هو وحدة الذات الإلهية: بالحقيقة نؤمن بإله واحد الله الآب ضابط الكل، هذا الإله الواحد هو النور الحقيقي منبثق منه روحه ومولود منه نوره ابنه الوحيد.

4- هناك تفسيران آخران لشرح الثالوث قد جانبهما الصواب أيضًا:

- التفسير الأول: ينحدر عن ساويرس ابن المقفع، وهو يمثل بداية عقد التأليف باللغة العربية، وحينما أراد شرح الثالوث لم يلتزم بالتراكيب اللاهوتية التي استخدمها الآباء والتزموا بها ولم يشاؤوا أن يغيروها، وذهب إلى قوله: الله موجود بذاته حي بروحه ناطق بكلماته، وبذلك لقد ألغى فكرة الولادة والانبثاق من جذورها، وهذا يعتبر تحريفًا ضد إعلان العهد الجديد عن الله.

- التفسير الثاني: إلحاق ترجمة جديدة لكلمة أقنوم بدل شخص، فقيل عنه أن الأقنوم هو صفة جوهرية للذات الإلهية، هذا ليس دقيقًا بالمرة، لأن الأقنوم هو الصورة الجوهرية وليس الصفة الجوهرية.

 رفض التفسيرين السابقين لا يجبرنا أبدًا على ادعاء أن الثالوث يحوي ثلاثة أشخاص.

5- لماذا الإصرار على ثلاث صور جوهرية؟ هذا هو إعلان العهد الجديد الذي أعلنه المسيح الذي خرج من عند الله، هو الذي رأى الحقيقة وأخبرنا بها.

6- امتداد الصراع الفكري بين اليهودية والمسيحية إلى المسيحية والإسلام كان على النحو الذي رفض وجود صلة نسب بين الله والمسيح، وقد حدثت المواجهة المستنيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة خلال الفترة السابقة عندما أعلن بعض شيوخ المسلمين المستنيرين أن المشكلة الأساسية هي إيمان المسيحيين بوجود صلة نسب بين الله والمسيح، ولذلك سارع الدكتور الأسقف مكسيموس يوحنا الأول بإعلان أنه لا توجد صلة نسب بين الله والمسيح بصورة قاطعة. فقد قام نيافة الأنبا مكسيموس بالتأكيد على أن جسد المسيح أو إنسانية المسيح المأخوذة من جسد العذراء هي إنسانية مخلوقة مثل إنسانية العذراء، وأنه بصورة قاطعة لا توجد البتة أي صلة نسب بين المسيح والله. وبعد ذلك خرج هؤلاء الشيوخ المستنيرون ليؤكدوا أكثر من مرة أن المسيحيين يعبدون نفس الإله الواحد الذي يعبده المسلمون!!  

ولهذا الجدل خلفية هامة لا بد من سردها، وهي أن أغلب المسلمين لا يعرفون ثوابت الإيمان المسيحي الحقيقي غير المشوه، ولهم كل العذر في ذلك، فإنهم يتصورون أن بديع السماوات والأرض أنى تكون له صاحبة وأن يكون له منها ولد! من الذي أعطى الفرصة لتلك التصورات؟ قولًا واحدًا: نسطور الذي قال بحصر اللفظ "لقد جعلتم من العذراء إلهة!!!" وقال نسطور ذلك لأن القديس كيرلس الكبير في ردوده عليه تكلم كثيرًا عن "قوة العلي تظللك" وحضور الآب السماوي وهو يغمر العذراء أثناء حملها بالكلمة، فذهب نسطور بهذا الافتراء أن المسيحيين جعلوا من العذراء إلهة!! ولما تم حرمه من قبل الإمبراطور ثيودوسيوس الملقب بالأرثوذكسي، نفي ولجأ إلى "ملك فارس"؛ فاسكنه هو وجماعته على شاطئ الخليج العربي (الفارسي)؛ ومن هناك انتقل تأثيره ونفوذه الفكري إلى شبه الجزيرة العربية.

خلاصة القول، من المحال أن تبشر المسيحية بصلة نسب بين الله والمسيح، فالإنسان يسوع المسيح ليس ابن الله، ولكن ابن الله هو نور الآب؛ الشعاع المولود من أصل النور؛ الذي لما اتخذ جسدًا أو اتحد بالجسد الإنساني المأخوذ من العذراء أو ظهر في الجسد الإنساني؛ أعطى لهذا الجسد الإنساني صفته (ابن الله) فصار هو ابن الله شخصًا واحدًا غير قابل للانفصال.... وهذا الاتحاد بين النور الأزلي وجسد ابن الله حدث في لحظة بشارة الملاك للعذراء...

 

كل شيء من الآب بالابن فى الروح القدس – دائرة الثالوث المغلقة:

- أين الدليل الكتابي والآبائي على أن كل شيء من الآب بالابن في الروح القدس؟ إذا راجعنا رسالة أفسس 18:2: "لأن به لنا كلينا قدومًا في روح واحد إلى الآب" (به) أي بالابن/المسيح- (كلينا) أي اليهود والأمم (الإنسان)، ومعنى الآية أنه صار لي أنا الإنسان قدومًا إلى الآب بالروح القدس في يسوع المسيح.

- ولما سبق احتج الأرثوذكس بإصرار على تعديل قانون الإيمان في الفقرة: "المنبثق من الآب والابن". لأن القديس باسيليوس الكبير وغيره قد أقروا حقيقة بالغة الأهمية أن الروح القدس منبثق من الآب، ولكن إلى أين يذهب؟ لو سلمنا وقلنا إنه منبثق من الآب في اتجاه الخليقة فهذا معناه أن الخليقة هي الله وصارت الله، لأن روح الله - الروح القدس - منبثق من الآب في الخليقة، وهذا التعليم نقلًا عن الأنبا غريغوريوس (لم يقلها باسيليوس).. ولقد أقر القديس باسيليوس الكبير أن الروح القدس منبثق من الآب وذاهب إلى (متجه إلى) الابن، هو منبثق من الآب في الابن، وإصرار القديس باسيليوس على هذه الحقيقة هو ببساطة لكي تكتمل دائرة الثالوث وتكون دائرة مغلقة على الذات الإلهية الواحدة.

- والسؤال الذي يفرض نفسه الآن، كيف لي أنا الإنسان أن أدنو أو أشترك في هذه الدائرة المغلقة؟  كيف تصير لي شركة مع الله؟ الإجابة ببساطة: من خلال الابن، وتحديدًا من جسد ابن الله أي بواسطة التجسد صارت لي هذه الشركة مع دائرة الثالوث، كما جاء في يوحنا 6: 57: "كما أرسلني الآب الحي، وأنا حي بالآب، فمن يأكلني يحيا بي".

نلاحظ هنا أن الابن يعلن أنه حي بالآب، لماذا؟ لأنه كما أن الآب له الحياة في ذاته، كذلك الابن أيضًا، فقد أعطى الآب حياته بذاته للابن، لذلك هي ذات واحدة.

والجدير بالذكر أيضا هنا معنى "يأكلني" هنا ليس المقصود منها المضغ، ولكن المعنى مجازي، لأنه إذا توقف الإنسان عن الأكل سوف يموت، كذلك إذا توقف الإنسان عن أكل الابن (الاتحاد به) سوف يموت، فيأكلني هنا معناها يحيا بي. لذلك واسطة الاتحاد بيني وبين الابن هي جسده / تجسده.

 

خاتمة:

- الله لا يمكن أن يكون إلهين، واحد للعهد القديم وآخر للجديد، ولا يمكن أيضًا أن يكون متناقضًا مع نفسه بين العهدين، لكننا أمام إعلانين مختلفين، كوننا صورتين عند الإنسان عن الله، صورة كونها عندنا شخص لم ير الله (موسى)، وأخر رأى الله (الابن).

إعلان العهد القديم غيبي يعبر عن إله محتجب، إله غامض، وكان مآل إنسان العهد القديم إلى الهاوية منتظرًا من ينقذه ويفك أسره ويحرره.

إعلان العهد الجديد فيه قد أستعلن هذا الإله الواحد مثلث الأقانيم، فهو له ثلاث صور جوهرية في ذات إلهية واحدة، الآب في الابن، والابن حي بالآب، لأن الآب له الحياة في ذاته، كذلك أعطى ذاته للابن، فهي ذات إلهية واحدة لها ثلاث صور جوهرية، ويستطيع الإنسان الاشتراك في الثالوث من باب الابن بسبب تجسده، فليس أحد يأتي إلى الآب إلا به. "قال له يسوع: أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي." (يو 14: 6)، "لأن به لنا كلينا قدوما في روح واحد إلى الآب." (أف 2: 18)

انتظرونا في المحاضرة القادمة والتي ستكون بعنوان

 "نعمة العهد الجديد: النعمة غير المخلوقة"

Powered By GSTV