كنيسة بدون برهان!
Jul 08, 2022 59
980 79

كنيسة بدون برهان!

في أول زيارة لي إلى أمريكا في شبابي؛ كان مضيفي يصطحبني كل يوم أحد لزيارة كنيسة ما؛ وفي نفس الأسبوع كان خدام من تلك الكنيسة يأتون لزيارتنا بهدف افتقادي كقادم جديد إلى كنيستهم وإلى الديار.

سألني المتقدم في هؤلاء الخدام عن نفسي: فأخبرته أنني خادم مسيحي من مصر؛ فأخرج كتاب العهد الجديد من حافظته ومد يده به إليَّ قائلا: كيف يمكنك أن تثبت لي من خلال هذا الكتاب؛ أنك قد خلصت؟

عقدت لساني الدهشة عن أن أجيب على ذلك الخادم: هل برهانكم على خلاصكم في أمريكا؛ هو نص الإنجيل الواعد بالخلاص؟!

ثم إذا لم يكن محدثك مؤمنًا بالإنجيل فما هو برهانك على خلاصك؟

وإذا كان مؤمنًا بالإنجيل؛ فما الذي يبرهن على أن وعد الإنجيل بالخلاص لمن يؤمن به، قد تحقق فيك أيها الخادم المؤمن!

عُدت إلى أمريكا بعد تلك الزيارة بأكثر من ربع قرن من الزمان لكي أستقر فيها؛ ومن ثم سعيت إلى استئجار مبني كنيسة (بالمشاركة) لكي أستأنف خدمتي من خلاله؛ وبعد فترة جاء رئيس تلك الكنيسة لزيارتهم ودُعينا لحضور المقابلة. 

 تحدث الرجل بطريقة مدروسة وممنهجة عن المتغيرات التي طرأت على الكنيسة الأمريكية وقال: قبل ربع قرن من الآن؛ بدأ توجيه الأسئلة إلى الكتاب المقدس (قال بحصر اللفظ استجواب الكتاب) ثم كانت النتيجة في العشر سنوات الأخيرة أن كثيرين غادروا الكنيسة والإيمان المسيحي!

لقد أجاب الرجل عن السؤال غير المحير الذي كنا نسأله في الشرق؛ عندما سمعنا بموجة الإلحاد التي عصفت بالكنيسة الأمريكية بعدما كان المدرجات بالآلاف يحضرون عظات مشاهير الخدام؛ لماذا وكيف؟

لقد تم ضم التناخ اليهودي (الناموس والأنبياء والكتب) إلى العهد الجديد في كتاب واحد هو الكتاب المقدس الحالي، سنة ١٤٥٥م في مطبعة جوتنبرج بألمانيا؛ ثم تحولت البرهنة على حقيقية خلاص المسيح من كونها حقيقة حياتية مبرهنة بحضور سلطان المسيح الحي؛ إلى كونها فكرة جدلية مبرهنة بالنصوص: بدأت بالإنجيل ثم شملت العهد القديم (رغم تناقضه) مع الجديد! بإسم الكتاب المقدس الموحد.

أجابني مسيحي تقي من الشرق قائلا: أن برهاني على خلاص المسيح هو: الفرح الذي يملأ قلبي وقد غير المسيح حياتي؛ فرد عليه الهارب من حظيرة الإيمان: إذن فبرهانك لي على خلاص مسيحك هو انتفاعك أنت، وليس بما تبرهن به على سلطان إيمانك لغيرك من الناس! وإذا كان برهانك هو منفعتك؛ فإن غيرك يبرهن على جدوى إيمانه بالمنفعة الضخمة التي تتحقق له بسبب هذا الإيمان: أن من حقه كمؤمن وموحد بالله؛ ان يأخذ امرأتك له ويستولي على أولادك وينهب أمتعتك وأمتعة أهلك؟ لأنك كافر بإيمانه!

هل قال الإنجيل؛ أن المسيح له المجد برهن على نفسه بالجدل أم بأعماله؟ وهل كان برهان أعماله هو لصالح نفسه وجماعته أم لمنفعة واحتياج الإنسان؟

لقد برهن التلاميذ لليهود بالجدل من الأنبياء أن يسوعهم هو المسيح المنتظر لأن اليهود كانوا لا يؤمنون بشيء، إلا بالأنبياء؛ ولكن ماذا كانت بشارة الرسل وبرهانهم على ايمانهم وخلاصهم للإنسان الطبيعي وكل العالم الوثني؟ فتشوا العهد الجديد وأعمال الرسل لتعثروا على الإجابة: أنها أعمال المسيح؛ قوته وسلطانه ومحبة الله لفرح وشفاء الإنسان المتألم بالشقاء والمرض والأحزان.

ستظل شهادتنا عن المسيح وكرازتنا به يعوزها البرهان؛ حتى ندرك بالبرهان العملي أن بشارة المسيح كان محورها هو؛ "تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت٢٨:١١) وأنه له المجد: كان يجول يصنع خيرًا ويشفي المتسلط عليهم من إبليس (أع٣٨:١٠) وإنه قد أُظهِرَ لكي ينقض أعمال إبليس (١يو٨:٣)