Jun 01, 2020 250
980 79


" أنا قد جئت نورا للعالم ؛ حتي كل من يتبعني لا يمكث في الظلمة"(يو ٤٦/١٢)
"ثم كلمهم يسوع أيضا قائلًا: أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة " ( يو ٢١/٨)
هذه العبارات المنطوقة بفم المسيح نفسه له المجد تعلن عن طبيعة شخصه المبارك ومعني مجيئه إلي العالم بالنسبة إلي الانسان؛ والبداية هي من تصدير خطابه إلي الانسان بكلمة  "كل" ؛ أي كل إنسان بدون إستثناء أو مواصفات أو شروط؛ وقد رأينا هذا الاتساع اللامحدود نحو الكل في بشارته بين الناس فكان يجول يصنع خيراً و يشفي المتسلط عليهم من إبليس : مرضي،مكسحين، مجانين في الطريق ، برص ، عميان، شحاتين،محطمين ، مكسوري القلوب . . كل إنسان !

ثم هو يعرف و يقدم نفسه للإنسان؛ أنه إبن الإنسان ؛ إنسان مثلنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها؛ مولودًا مثلنا من إمرأة مثل كل أمهاتنا مخلوقة من تراب الارض؛ وقد أخذ منها جسدا مخلوقاً كجسدها و كسائر أجسادنا يجوع ويأكل؛ويعطش ليشرب؛ويتعب ليستريح و أيضا ينام !

و مع كل هذه المشابهه الدقيقة لنا؛ فقد قدم للبشرية نموذجا للإنسان الكامل في القداسة الذي بلا خطية علي الاطلاق؛ ثم يكشف لنا أن تميزه ؛هو أنه كلمه الله وشعاع نوره الذي حل بكله في هذا الإناء الانساني (إنسانيتنا)؛ إنما لكي يوزع من نوره هذا علينا جميعا "لكل إنسان"فيقول عنه إنجيل يوحنا: " كان النور الحقيقي الذي ينير (كل إنسان) آتيًا إلي العالم "( يو ١ : ٩) وهذه هي الاجابة علي السؤال الضمني الموجه إليه: لماذا جئت إلي العالم ؟و ها إجابته: أنا قد جئت نورا للعالم. 

إن إشكالية فهم طبيعة المسيح تكمن في هذه الحقيقة؛ أن إنسانية المسيح مأخوذة من العذراء ومخلوقة من الارض ؛ ولا تربطها أي صلة نسب بالله؛ و أن صفة إبن الله التي إنسحبت علي جسده سببها أنه لا يمكن فصل نوره النازل من السماء عن جسده! وأن شعاع النور الازلي وكلمة الله الذي حل في هذا الإناء الانساني بالتجسد هو من يحمل أساساً صفة إبن الله؛ فكلمة إبن هنا هي عن الشعاع والنور؛ وعن ولادة النور من النور ولا علاقة لها بالولادة الطبيعية ولا بولادة المسيح الجسدية من العذراء! و إن كانت قد إرتبطت بها بحسب بشارة الملاك للعذراء المولود منك يدعي إبن الله (بسبب حلول شعاع النور الازلي في هذا الجسد) الموضوع في حقيقته لا يخص شخص المسيح بقدر ما يخص الانسان.

أن شعاع النور الازلي حل فيه؛ لكي من ملئه ( أي من نوره) نمتلئ نحن أيضا من هذا النور وهذه الاستنارة؛ وهذا هو في الحقيقية غاية التجسد وغاية محبة الله للإنسان( لكل إنسان)

ربما يكون إنسانا مولودًا من أبوين مسيحيين داخل صحن الكنيسة؛ وهو يعيش بالبغضة والكبرياء ؛ فهذا لم يقتبل من المسيح نوره الابدي؛ لأن علامة النور مفقودة من حياته و هي المحبة (١يو ١٠/٢) بينما يكون إنسان آخر لم تربطه أي صلة بالكنيسة ويفتح قلبه لقبول نور الحياة من النور المتجسد ؛فيستنير ويحيا به !

العبرة إذن ليست بالانتماء الطائفي أو العرقي ؛ العبرة  بإستلام النور مِن الذي هو النور ! والعلامة الصادقة هي تتميم محبة القريب 
ليتنا نقرأ الانجيل بفهم وتدقيق؛ ربما نفيق من الخداع والأوهام التي يوزعها علينا كهنة التبعية والانتماء ! ونكتشف الحقيقة :

أن المسيح نورً  للعالم كله؛ وليس للمخدوعين بالوعود الزائفة بل للمبرهنين بالمحبة الصادقة أنهم صاروا به أبناءً للنور ؛ وأبناءً لله .