Jun 01, 2020 443
980 79


"أنا قد جئت نورا للعالم؛ حتى كل من يتبعني لا يمكث في الظلمة" (يو ٤٦/١٢)
"ثم كلمهم يسوع أيضا قائلًا: أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة" ( يو ٢١/٨)
هذه العبارات المنطوقة بفم المسيح نفسه له المجد تعلن عن طبيعة شخصه المبارك ومعني مجيئه إلى العالم بالنسبة إلى الإنسان؛ والبداية هي من تصدير خطابه إلى الإنسان بكلمة "كل"؛ أي كل إنسان بدون إستثناء أو مواصفات أو شروط؛ وقد رأينا هذا الاتساع اللامحدود نحو الكل في بشارته بين الناس فكان يجول يصنع خيراً ويشفي المتسلط عليهم من إبليس: مرضي،مكسحين، مجانين في الطريق، برص، عميان، شحاتين، محطمين، مكسوري القلوب . . كل إنسان!

ثم هو يعرف ويقدم نفسه للإنسان؛ أنه إبن الإنسان؛ إنسان مثلنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها؛ مولودًا مثلنا من إمرأة مثل كل أمهاتنا مخلوقة من تراب الأرض؛ وقد أخذ منها جسدًا مخلوقاً كجسدها وكسائر أجسادنا يجوع ويأكل؛ ويعطش ليشرب؛ ويتعب ليستريح وأيضا ينام!

و مع كل هذه المشابهه الدقيقة لنا؛ فقد قدم للبشرية نموذجا للإنسان الكامل في القداسة الذي بلا خطية على الإطلاق؛ ثم يكشف لنا أن تميزه؛ هو أنه كلمه الله وشعاع نوره الذي حل في هذا الإناء الانساني (إنسانيتنا)؛ إنما لكي يوزع من نوره هذا علينا جميعا "لكل إنسان"فيقول عنه إنجيل يوحنا: "كان النور الحقيقي الذي ينير (كل إنسان) آتيًا إلى العالم" ( يو ١ : ٩) وهذه هي الإجابة على السؤال الضمني الموجه إليه: لماذا جئت إلى العالم؟ وها إجابته: أنا قد جئت نورا للعالم. 

إن إشكالية فهم طبيعة المسيح تكمن في هذه الحقيقة؛ أن إنسانية المسيح مأخوذة من العذراء ومخلوقة من الأرض؛ ولا تربطها أي صلة نسب بالله؛ وأن صفة إبن الله التي إنسحبت على جسده سببها أنه لا يمكن فصل نوره النازل من السماء عن جسده! وأن شعاع النور الأزلي وكلمة الله الذي حل في هذا الإناء الإنساني بالتجسد هو من يحمل أساساً صفة إبن الله؛ فكلمة إبن هنا هي عن الشعاع والنور؛ وعن ولادة النور من النور ولا علاقة لها بالولادة الطبيعية ولا بولادة المسيح الجسدية من العذراء! وإن كانت قد إرتبطت بها بحسب بشارة الملاك للعذراء المولود منك يدعي إبن الله (بسبب حلول شعاع النور الأزلي في هذا الجسد) الموضوع في حقيقته لا يخص شخص المسيح بقدر ما يخص الإنسان.

أن شعاع النور الأزلي حل فيه؛ لكي من ملئه (أي من نوره) نمتلئ نحن أيضا من هذا النور وهذه الاستنارة؛ وهذا هو في الحقيقية غاية التجسد وغاية محبة الله للإنسان (لكل إنسان)

ربما يكون إنسانا مولودًا من أبوين مسيحيين داخل صحن الكنيسة؛ وهو يعيش بالبغضة والكبرياء؛ فهذا لم يقتبل من المسيح نوره الأبدي؛ لأن علامة النور مفقودة من حياته وهي المحبة (١يو ١٠/٢) بينما يكون إنسان آخر لم تربطه أي صلة بالكنيسة ويفتح قلبه لقبول نور الحياة من النور المتجسد؛ فيستنير ويحيا به!

العبرة إذن ليست بالانتماء الطائفي أو العرقي؛ العبرة بإستلام النور مِن الذي هو النور! والعلامة الصادقة هي تتميم محبة القريب 
ليتنا نقرأ الإنجيل بفهم وتدقيق؛ ربما نفيق من الخداع والأوهام التي يوزعها علينا كهنة التبعية والانتماء! ونكتشف الحقيقة:

أن المسيح نورً  للعالم كله؛ وليس للمخدوعين بالوعود الزائفة بل للمبرهنين بالمحبة الصادقة أنهم صاروا به أبناءً للنور؛ وأبناءً لله.