Sep 16, 2021 214
980 79

بعدما نجحت ثورة الفرعون العبراني "موسى النبي" في أن يحرر شعبه "العبرانيين" من عبودية فرعون والمصريين، ويخرج بهم إلى الحرية من هذه العبودية؛ كان عليه أن يضع لهم نظامًا متحضرًا للحياة وللمعاملات على غرار الأنظمة المصرية المتحضرة التي كان قد تدرب عليها وأجادها.

ولأن موسى لم يكن مجرد فرعون بل كان أيضًا نبيًا ملهمًا ومرسلاً من إله إسرائيل إلى الإسرائيليين؛ فقد بلورة عَبْقَرِيَّته الفرعونية مع إرساليته النبوية؛ فكرة الشريعة الحاكمة والضابطة للإنسان والمجتمع، التي تستمد صلاحيتها وقوتها من الإله نفسه؛ وهكذا خرجت إلى الوجود أول شريعة ضابطة ومنظمة، ومنسوبة إلى إله إسرائيل "يَهوَه".

ولأن هذا الشعب كان قد عاش تحت العبودية أجيالاً متعددة ولم ينعم بفرصة للتعليم والرقي والتفكير؛ كما أنهم خرجوا إلى برية سيناء ليعيشوا حياة بدائية، ولم يكن متاحًا النظام الاجتماعي المتحضر بوجود أجهزة شرطية لإنفاذ القانون وأجهزة قضائية لإصدار الأحكام وفض المنازعات ولا سجون ولا غير ذلك؛ فقد تمخضت عبقرية الفرعون العبراني "موسى النبي" على أن يجعل من الشريعة نفسها أداة الحكم وإدانة الأخطاء والمخطئين؛ وأن يجعل من المجتمع رقيبًا على تنفيذ الشريعة؛ ومن الإنسان اليهودي نفسه مُنَفِّذًا للشريعة على غيره؛ والنماذج  كثيرة على هذا، فالشريعة توصي الأخ بقتل أخيه المرتد بنفسه: "بَلْ قَتْلًا تَقْتُلُهُ. يَدُكَ تَكُونُ عَلَيْهِ أَوَّلًا لِقَتْلِهِ، ثُمَّ أَيْدِي جَمِيعِ الشَّعْبِ أَخِيرًا." (تث ١٣: ٩).

وتأمر الجماعة برجم الزانية المُتلبّسة: "يُخْرِجُونَ الْفَتَاةَ إِلَى بَابِ بَيْتِ أَبِيهَا، وَيَرْجُمُهَا رِجَالُ مَدِينَتِهَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى تَمُوتَ، لأَنَّهَا عَمِلَتْ قَبَاحَةً فِي إِسْرَائِيلَ بِزِنَاهَا فِي بَيْتِ أَبِيهَا. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ." (تث ٢٢: ٢١).

وكذلك الابن العاق الذي يشهد عليه أبويه يرجمه كل أهل الحارة: "١٨ إِذَا كَانَ لِرَجُل ابْنٌ مُعَانِدٌ وَمَارِدٌ لاَ يَسْمَعُ لِقَوْلِ أَبِيهِ وَلاَ لِقَوْلِ أُمِّهِ، وَيُؤَدِّبَانِهِ فَلاَ يَسْمَعُ لَهُمَا.، ١٩ يُمْسِكُهُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَيَأْتِيَانِ بِهِ إِلَى شُيُوخِ مَدِينَتِهِ وَإِلَى بَابِ مَكَانِهِ، ٢٠ وَيَقُولاَنِ لِشُيُوخِ مَدِينَتِهِ: ابْنُنَا هذَا مُعَانِدٌ وَمَارِدٌ لاَ يَسْمَعُ لِقَوْلِنَا، وَهُوَ مُسْرِفٌ وَسِكِّيرٌ. ٢١ فَيَرْجُمُهُ جَمِيعُ رِجَالِ مَدِينَتِهِ بِحِجَارَةٍ حَتَّى يَمُوتَ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ بَيْنِكُمْ، وَيَسْمَعُ كُلُّ إِسْرَائِيلَ وَيَخَافُونَ." (تث ٢١: ١٨-٢١).

فبهذا نجح النبي موسى في أن يضع إطارًا ضابطًا ومُحكمًا ومُخيفًا لتنفيذ الشريعة التي وضعها لشعبه، وزاد على ذلك أنه نَسب هذه الشريعة التي وضعها لشعبه إلى الله، فمن يعصى شريعة موسى فهو يعصى الله نفسه، ومن ثم فهو مستحق الرجم أو القطع أو أي عقوبة أخرى على الأرض، ناهيك عن جهنم والشواء الأبدي الذي سيلقيه فيه يَهوَه عقابًا على شروره؛ في الآخرة.

فضلاً عن أن الشريعة وَضعتْ حاجزًا من الخوف من انتقام يَهوَه من المُخطئين؛ فقد جَنَّدَتْ المجتمع كله للحكم على بعضه وتنفيذ الشريعة، وهذا ما أوجد مجتمعًا مستغرقًا في الازدواجية والرياء؛ فمن ناحية الجميع مهزومون أمام الخطيئة وبنفس الوقت مُتظاهرين بالتدين وطاعة الشريعة؛ وكلٌّ يدين ويحكم على نقائص أخطاء غيره، وكلما بَالَغَ في الحديث باسم الشريعة وإدانة الآخرين على مُخالفتها، كلما بدا في عيون نفسه وربما غيره أنه أكثر تدينًا وبرًا وإكرامًا لشريعة الله وموسى عبده.

كانت حادثة إحضار امرأة مُتلبسة إلى المسيح له المجد ووقوف اليهود مُنفذي الشريعة مُتحديين: "مُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟" (يو ٨: ٥).

وكان موقف المسيح له المجد هو بعينه الذي عَبَّرَ عنه سابقًا: "لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ." (يو ٣: ١٧)، ومن ثم فإن المسيح لم يأتي ليتمم دينونة الناموس للإنسان، بل ليخلص الإنسان من الخطية ومن الدينونة ومن قسوة الناموس بآنٍ واحد، هذا ما حدث مع هذه المرأة المُتلبّسة؛ فالمسيح له المجد لم يُخلصها فقط من الموت رجمًا؛ ولكنه وهبها خلاصًا كاملاً من العبودية للخطية ومن سلطان الشيطان عليها ومن الموت والهلاك الأبدي، وبخلاصها من الخطية لم تعد مُدانة ومحكومًا عليها من الناموس ومن المجتمع.

وهذه واحدة من أهم نقاط التحول التي صنعها المسيح في التاريخ بالإنجيل: أنه وهب الحياة الجديدة للإنسان حتى لا يصير بعد مُدانًا بالناموس ومحكومًا عليه من المجتمع؛ ولقد نقل وحول فكر الإنسان وإرادته من إدانة غيره والحُكم عليه، إلى النظر لواقعه وأن يسعى لتغيير هذا الواقع، وأيضًا لتغيير وخلاص الآخرين بدلاً من دينونتهم، التي ستقع عليه حتمًا هو أيضًا "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!" (يو ٨: ٧).

الموروث اليهودي الناموسي أنشأ فينا الإدانة والغضب والانتقام (باسم التقويم والتأديب)، من أخطاء بعضنا وأبنائنا وأزواجنا وزوجاتنا؛ ولهذا فإن رد فعل الأكثرين على أخطاء الآخرين وأخطاء الأبناء هو الغضب والانتقام والعقاب؛ لأنهم ما زالوا يعيشون بذهنية الناموس الذي يرى الخطيئة والعقاب؛ دون المحبة والإشفاق والرغبة في خلاص الآخرين من هذه الأخطاء والضعفات التي جعلتهم بذلك يخطئون.

حاول أن تتصور صورة عائلتك وكنيستك ومجتمعك إذا كان كل متنمر بالإدانة لأخطاء الآخرين وَلاسِيَّمَا القادة والأبناء وكيف ستكون صورة العائلة والكنيسة التي يدين فيها كلٌّ الآخر وينتقم منه ويعاقبه إذا كان مُفوضًا بالعقاب "فَإِذَا كُنْتُمْ تَنْهَشُونَ وَتَأْكُلُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَانْظُرُوا لِئَلاَّ تُفْنُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا." (غل ٥: ١٥).

ثم تأمل واقع عائلتك وكنيستك إذا كنت مسيحيًا حقيقيًا وقد قَبِلتَ من المسيح روح المحبة والطبيعة الجديدة، وتقتدي به وتتعلم منه؛ ومن ثم فكلما ترى ضعف أو خطأ في أبنائك أو في كنيستك، تسعى بالصلاة الشفاعية وبكلمة الإنجيل وبروح المحبة أن تُخلِّص غيرك من الخطأ بدلاً من أن تدينه وتحكم عليه "١ لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا، ٢ لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ." (مت ٧: ١-٢).

هذا هو الإنجيل: أن المسيح لم يأتي ليدين الإنسان ويحكم على أخطائه وتصرفاته بل ليخلص الإنسان من خطاياه ومن ضعفاته؛ وهذا هو الإنجيل للذين يتبعونه ويعيشون بحسب حق الإنجيل: "لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ." (يو ٣: ١٧).

 

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "المسيح كما أعلنه الإنجيل" اضغط عالرابط التالي
https://anbamaximus.org/articles/JesusAsTheGospelRevealed.php