Aug 13, 2021 233
980 79

نجح الموروث اليهودي في تطويق العقل الإنساني بفكرة: أن الخطيئة موجهة إلى الله لأنها تعدٍ على شريعة الله؛ ومن ثم فإنه ينتقم لنفسه من العصاة بكافة أشكال الانتقام؛ بدءًا من الطوفان إنتهاءً بالأمراض؛ مرورًا بسيوف الأنبياء والحكام؛ ومن ثم فقد وجب على الإنسان التوبة والاعتذار وتقديم القرابين والذبائح (ويتغذى عليها الكهنة).

طبقًا لإنجيل المسيح وعهده الجديد: فإن الله ليس إنتقاميًا بل محبًا للبشرية ومشفقًا على سقوط الإنسان وضعفه؛ وإنما سر البلاء والشرور مصدره الشرير الذي يستخدم غواية الخطيئة لكي يتسيد بها على الإنسان؛ وينفث ما فيه من موت وحقد على الإنسان ومن هنا تأتي عليه الشرور؛ لأنه صار في قبضة الشرير.

الإنجيل أيضًا يرى أن: برنامج الشريعة والعقاب وإن كان قد نجح في تحجيم انتشار الشر بدرجةٍ ما! إلا أنه لم ينجح في شفاء الطبيعة الإنسانية من انجرافها نحو الشر وغواياته؛ وكذلك فإن التوبة والاعتذار عن الخطيئة لم ينجحا: لا في تحرير الإنسان من قبضة الشيطان؛ ولا في شفاء طبيعته وعقله من سيطرة الشر والموت عليه! بينما يرى الإنجيل أن الحل هو في تجديد الطبيعة الإنسانية التي يحصل عليها المؤمن بقيامة المسيح وغلبته على الموت ويتغير بها إلى مشابهة صورة المسيح.

لم يقتصر الأمر عند حد تأثر كنائس مسيحية بجملتها: قادة ورعاة ومؤمنين بفكرة الشريعة (الناموس) والعقاب اليهودية! حتى كان اختراق المسيحية الصهيونية للعقل الجمعي في كنائس كثيرة؛ بإعادة استدعاء اليهودية وناموسها ومفاهيمها إلى جوار المسيحية؛ على الرغم من تحذير الرسول بولس للكنيسة من العصر الرسولي "إن اختتنتم لا يفيدكم المسيح شيئا"؛ حتى في شرح صليب المسيح وفداءه على أساس معطيات الناموس والعهد القديم؛ رأي الإنجيل واضح لمن يريده: أن ناموس الشريعة والعقاب "لم يكمل شيئًا" (عب ١٩/٧)؛ ولا يوجد نص واحد بالإنجيل يقول بأن صليب المسيح كان لإيفاء العدل الإلهي؛ ومتطلبات الناموس! بل أن الصليب كان لكي: يبطل الخطية بذبيحة نفسه (عب ٢٦/٩)؛ ولكي يبيد به الموت ومن له سلطان الموت "أي إبليس"؛ ويعتق الإنسان من العبودية له (عب ١٤/٢)؛ ولكي يبطل الموت وينير بقيامته الخلود والحياة الأبدية بواسطة الإنجيل (٢تي ١٠/١)؛ وأن التحرير والتطهير من خطايانا (الطبيعة الجديدة) صارا بقيامة المسيح (١كو١٧/١٥).

الإنجيل يرى أن الحياة الأبدية صارت إلينا وصرنا شركاء فيها بالمسيح له المجد؛ نفسه: "وهذه هي الشهادة أن الله أعطانا حياة أبدية وهذه الحياة في ابنه" (١يو١١/٥)؛ وأن النار الأبدية بحسب الإنجيل: ليست محرقة أبدية للعصاة والضالين؛ بل هي حالة الشيطان نفسه عند تواجهه مع استعلان النور والمجد الأبدي؛ ومن ثم سيشاركه حالته الذين اختاروا البقاء معه! "النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته" (مت٤١/٢٥).

محاولة إرضاء أو استرضاء الله بأعمال الشريعة؛ لم تفيد الإنسان بشيء!   ولم يكمل الناموس شيئًا! بحسب الإنجيل؛ لماذا؟ لأنها لا تغير القلب ولا الفكر ولا اشتهاء الشرور؛ وكذلك محاولة الاعتذار عن الخطايا وطلب المراحم؛ لن تفيد أيضًا بشيء -بحسب الإنجيل- ما دام الإنسان مقيدًا بخطاياه في قبضة الموت؛ وإبليس الذي سيُحدِر مأسوريه معه إلى هاويته؛ وليس أن الله المحب الرحوم هو الذي سيلقي الناس في ناره وعذابه!

وهنا سيبرز السؤال: مادام الله محبًا ورحيمًا فلماذا لا ينقذنا من قبضة الشيطان وجحيمه؟

والإجابة: أن الله الذي وهب الحرية للإنسان وميزه بالعقل والحرية عن باقي المخلوقات؛ لا يمكن أن يسلب الإنسان حقه في الحرية؛ ومن ثم اختياره ومسؤوليته؛ فهو يدعو بالحب لمن يستجيب؛ فينجو بمحبته.