Aug 06, 2021 268
980 79

منذ اليوم الأول لانسلاخ الجماعة المسيحية خارج أُطر الديانة اليهودية كطريق مستقل للعلاقة بين الله والإنسان بيسوع المسيح بدون الشريعة الموسوية وبعيدًا عنها؛ لم يهدأ لليهود بال في محاولة إخضاع الجماعة المسيحية للناموس مرة أخرى بالوسائل المتعددة على مدى التاريخ؛ بدايةً من محاولة إخضاع المسيحيين الأوائل لفريضة الختان التي تصدي لها الرسول بولس بقوة؛ إنتهاءً بنجاح خطتهم بضم كتابهم المقدس (العهد القديم) إلى إنجيل المسيح وعهده الجديد في مجلد واحد في مطبعة جوتنبرج في ألمانيا سنة ١٤٥٥م.

وهكذا نشأت أجيالاً من المسيحيين بعد عصر اختراع الطباعة: لا يدركون ما هو الفرق الجوهري بين اليهودية وعهدها القديم وبين إنجيل المسيح وعهده الجديد؛ فقد واصل الاختراق الصهيوني للكنيسة المسيحية مهمته بنجاح بإقناع المسيحيين أن الكتاب المقدس بعهديه قديمه وجديده: كتاب واحد كأساس للإيمان المسيحي!

ثم أُعيد شرح الإيمان المسيحي للمسيحيين على أساس معطيات الناموس اليهودي الموسوي؛ وربط العهد الجديد بنظام الذبائح اليهودي! ومن هنا صار الأمر ملحًا لفهم الفروق الجوهرية بين المسيحية الصهيونية ومسيحية الإنجيل.

الشريعة الموسوية قامت على أساس أن وصايا الشريعة هي أوامر الله؛ ووصاياه للإنسان فمن يعملها يحيا بها؛ وأما من يعصاها فإن الله يسلمه إلى أيدي أعدائه، ويجلب عليه الأمراض، والضربات، ويعاقبه بالموت؛ طبعًا كل هذا بخلاف العذاب الأبدي في النار الأبدية؛ وأما من يعمل بوصاياه فيرضى عليه الله ويبارك ثمرة حقله وثمرة بطنه.

وبناء على المقدمة السابقة فقد شرحت المسيحية الصهيونية خلاص المسيح على النحو التالي: أن تعدي الإنسان لوصية الله (الشريعة) أساء إلى الله إساءة غير محدودة بما أن الله غير محدود! وغضب الله لذلك غضبًا شديدًا؛ وحكم على الإنسان بالموت؛ ورفض أن يغفر للإنسان مالم تقدم له فدية! ولأن خطية الإنسان كانت غير محدودة فكان لابد للفدية أن تكون غير محدودة وعليه فلم يكن هناك غير محدود إلا الابن القدوس الذي أضطر لرد غضب أبيه ولتتميم الناموس أن يتجسد ويقدم جسده فدية وذبيحة ليرد غضب الله عن الإنسان.

(هذه النظرية المفبركة التي خلت من نص واحد من الإنجيل وضعها أنسالم رئيس اساقفة كنتربري الكاثوليكي في القرن ١٢الميلادي)

أما الإنجيل فيقول: أنه على الرغم من أننا كنا خطاة؛ فإن الله قد أحبنا؛ وأن الموت دخل إلى البشرية؛ بالخطيئة، وسرى الموت إلى جميع الناس لأنهم كلهم خطئوا (رو١٢/٥الترجمة المشتركة) فإن الموت معناه فقدان حياة الله؛ ومن ثم فسيبقى الإنسان في الموت؛ ولكن لأن الله أحب الإنسان (العالم)؛ فقد وهب ابنه الأوحد فلا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يو١٦/٣المشتركة)؛ وهذه هي الشهادة أن الله أعطانا حياة أبدية؛ وهذه الحياة هي في ابنه (١يو١١/٥) "ولما كان الأبناء (نحن) شركاء في اللحم والدم شاركهم يسوع كذلك في طبيعتهم هذه ليقضي بموته على الذي في يده سلطان الموت أي إبليس" (عب ١٤/٢الترجمة المشتركة). وهذه إجابة الإنجيل بنصوص العهد الجديد نصًا نصًا؛ كيف سرى الموت إلى البشرية؟ ولماذا تجسد الابن الكلمة؟ ولماذا مات على الصليب؟ وكل هذا كان سببه محبة الآب السماوي (يو١٦/٣)؛ وليس غضبه! فتوصيف معنى غضب في الإنجيل هو الحالة السلبية لفقدان نعمة وعطية الحياة الإلهية (يو٣٦/٣).

 كيف نجح الاختراق الصهيوني للمسيحية أن يشوش على محبة الآب السماوي لخلاصنا ويحولها إلى غضب! ويشوش على غلبة الابن ونصرته على الموت بالصليب؛ ليجعل رب الناموس خادمًا للناموس وجاء ليتممه! مع غياب تام في هذه النظرية اليهودية لشرح الفداء؛ لغلبة المسيح على الشيطان بالصليب: "إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه (أي في الصليب)" (كو١٥/٢)

وبقية الاختراقات ستأتي؛ ليكتشف الأمناء لإنجيل المسيح: الحقيقة المُرّة؛ التي أضعفت الكنيسة وفرغت المسيحية من جوهر قوتها واستردتها إلى يهودية تؤمن أن المسيح قد جاء في الجسد! باسم وحدة الكتاب المقدس!