Feb 06, 2021 688
980 79

كانت البداية عندما عاد الدكتور جورج بباوى من بعثته في كامبردج وأنا كنت في السنة النهائية في الكلية الاكليريكية وبدأ يتحدث معنا نحن الطلبة عن تعليم الآباء الأرثوذكس الأولين الذي بدأ يكشف التناقض الصارخ بين أقوال الآباء وبين ما تُعلِّم به القيادة الكنسية آنذاك.

وقد صار أول احتكاك وخلاف بعد تخرجي حينما كنت أخدم في ايبارشية طنطا وأعلم بسكنى الروح القدس فى المؤمنين مستشهدًا بكلام العهد الجديد انتم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم (١ كور ٣ :١٧)

وأقوال الآباء المؤيدة لهذا الفهم.

اعترض الأب الأسقف المسؤول على تعليم سكنى الروح القدس في الإنسان واحتج قائلاً لي إما أن تعلم كما نحن نعلم أو تترك الخدمة معي في ايبارشيتى فأجبته أن هذا هو تعليم العهد الجديد والآباء الأولين وليس رأيي الشخصي.

الطريف في القصة أنه حينما تدخل الأهل في حل الخلاف أجابهم أبونا الأسقف وقال هذا قرار البابا وهذا لا شأن لي به”!!. فقد ذهبت إلى الأنبا اغريغوريس الذي علمني اللاهوت وعرضت عليه الخلاف فأجابنييا ابنى مادمت تستخدم عبارات الإنجيل فأنت لم تخطئ

وكانت هذه هى النقطة الفاصلة التى اقنعتني بضرورة المغادرة إلي كنيسة أرثوذكسية أخرى تعيش بتعليم الآباء الأرثوذكس. فاستأنفت دراسة اللاهوت الأرثوذكسي فى الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية بأمريكا من خلال معهد القديس اللياس للاهوت الآباء حتى حصلت على درجة الدكتوراه فى لاهوت الآباء وتدرجت بالتزامن فى الرتب الكنسية حتى تم سيامتي أسقفًا في الكنيسة اليونانية القديمة سنة ٢٠٠٥.

فيما بعد تبادلت يمين الشركة مع البطريرك فيتالي ومجمع الكنيسة الروسية الأرثوذكسية الرسولية بموسكو حتى يومنا هذا.

 

هل كانت هنالك قضايا عقائدية جوهرية خلافية أخرى مع القيادة الكنيسة، وقتها؟

 

نعم كانت القيادة الكنسية آنذاك تُعلّم بأن المؤمن لا يخلص إلا بعد خروجه من الجسد مكملاً الجهادات المتعددة ويدخل السماء حينئذ يخلص. وهذا كان بالتناقض الكامل مع تعليم الإنجيل فى العهد الجديد وآباء الكنيسة الأولين بأن المسيح كمّل الخلاص وصنع الطبيعة الجديدة بموته وقيامته وأن النفس تنال هذا الخلاص بقبولها واتحادها بالروح القدس القديس كيرلس الاورشليمي ثم يشترك الروح والجسد معًا في قوة الصليب وقيامته بالمعمودية رومية ٦إلى جدة الحياة أى الحياة الجديدة.

ثانيًا: كانوا يعلمون أن حياة التوبة معناها أنك كلما تخطئ تتوب وتذهب إلى أب الاعتراف فهو يحاللك بسلطان الحل والربط ويغفر لك الخطية وهكذا أنت تحيا حياة التوبة.

والواقع أنها حياة السقوط في الخطية والسقوط تحت سلطان وهمي لأب الاعتراف وليست حياة التوبة. لأن حياة التوبة عند الآباء معناها اجعل من توبتك معمودية ثانية أي تجديد الذهن والثبات فى الحياة الجديدة..

 

ثالثًا: كانوا يعلمون بأن خطية المؤمن تظل باقية عليه حتى يغفرها له الكاهن وإن لم يغفرها له الكاهن لا تغفر له!! فهكذا يكون قد حل الكاهن محل سلطان المسيح فى كنيسته. وهذا ليس رأيي الشخصى ولكنه شرح القديس كيرلس الكبير لإنجيل يوحنا الاصحاح العشرون وهو مترجم للعربية.

 

رابعًا: أنهم تبنوا بكل ضراوة تعليم العصور الوسطى ونظرية أنسلم عن فداء المسيح إشباع العدل الإلهي التي تصور الآب المحب غاضبًا قاسيًا يطلب فدية لكي يغفر للإنسان!! ثم كانت هذه الفدية هى صلب ابنه!! وهذا بالتناقض مع تعليم الإنجيل وأيضًا تعليم القديس أثناسيوس الرسولي بأنه قد غلب الموت بصليبه وقيامته وأبطل الخطية بذبيحة نفسه.

 

هذه ليست كل نقاط الاختلاف العقيدى بين ما تعلمناه من إنجيل العهد الجديد وآباء الكنيسة الأولين وبين ما كانت تعلم به القيادة الكنسية آنذاك. ولكن النقاط المذكورة أعلاه كانت هى الأسباب المباشرة فى ذلك الوقت لقرار مغادرتي الكنيسة القبطية بعد لقائى المذكور مع الأنبا اغريغوريوس.

فما كنت أستطيع أن أواصل الحياة والشركة مع جماعة مسيحية تنكر سكنى الروح القدس فى جماعة المؤمنين ونوال الخلاص والطبيعة الجديدة هنا على الأرض كبداية لتحقيق حياة الإيمان والاتحاد بالمسيح ولا كنت أستطيع العيش مع من يقول إذا لم يغفر لك الكاهن الخطايا فلا تغفر لك؟!!

 

وما هي حقيقة ما نسمعه عنك أنك تبيح الطلاق وتساعد الأزواج على ذلك؟

 

هذا للأسف الشديد إشاعات كاذبة للتشويه والحقيقة التي يشهد بها كل كنيسة القديس اثناسيوس أننا لم نطلق أحد ولم نساعد أحد على الطلاق والمسيح أيضًا شاهد. ولكنني كنت ومازلت أُعلم ما تعلمته من أستاذي الجليل الراحل الأنبا اغريغوريوس وهو أن الطلاق غير موجود في المسيحية إلا لسبب الزنا. لأن الطلاق معناه حق الرجل بالإرادة المنفردة أن يفسخ رباط الزوجية وهذا ما يحدث فى اليهودية والإسلام.

ولكن المسيحية الأرثوذكسية توافق على التطليق، فالتطليق يختلف عن الطلاق بأنه ليس بإرادة الرجل ولكنه بحكم محكمة الكنيسة المجالس الملية سابقًا بناءً على خروق جسيمة للإنجيل وللكرامة الإنسانية وبأسباب مثبتة، الأمر الذي انتقل من محكمة الكنيسة إلى المحكمة المدنية محكمة الأسرة فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر.