لاهوت العهد الجديد (٣٧) | قراءة في الكتاب المقدس:
Jan 20, 2026 7
980 79

لاهوت العهد الجديد (٣٧) | قراءة في الكتاب المقدس:

الكتابُ المقدَّسُ ليس كتابًا واحدًا، بل كتابانِ لِديانتينِ وعهدينِ مختلفين: العهدُ القديمُ يقومُ ويَتَأسَّسُ على الشريعةِ (النَّاموسِ) والعقابِ؛ فلا قوَّة للقانونِ (الشريعةِ) بغيرِ ردعِ العقابِ، فالعقوبةُ الرادعةُ هي قوَّةُ القانونِ، الذي يُقاوِمُ الجريمةَ أو الخطيئةَ، ولكنَّه لا يَملِكُ القُدرةَ على تغييرِ العُقولِ والقلوبِ والسلوكيّات.
أمَّا العهدُ الجديدُ فيرى أنَّ ناموسَ العهدِ القديمِ "لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئًا" (عب ٧: ١٩)، وأنَّه كان غيرَ قادرٍ على أن يَهَبَ حياةً لمَوتِ الإنسان: "وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا" (أف ٢: ١)، "...لأَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ نَامُوسٌ قَادِرٌ أَنْ يُحْيِيَ، لَكَانَ بِالْحَقِيقَةِ الْبِرُّ بِالنَّامُوسِ" (غل ٣: ٢١). ومن ثم فقد احْتَاجَ القديمُ العهدَ الجديدَ ليُكمِّلَه، وليس لهدمه: "لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ" (مت ٥: ١٧).
القولُ بالمساواة بين وحي العهدِ القديم ووحي العهدِ الجديد هو ـ في رأيي ـ زَلَّةُ لسانٍ أو خطأٌ في فَهمِ ماهيَّةِ الوحيينِ في العهدين: فوحي العهدِ القديم هو الكلمةُ النبويَّة: "...تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (٢ بط ١: ٢١). أمَّا وحيُ العهدِ الجديد فهو الكلمةُ الأزليَّ النازل من السماء؛ أي المسيح نفسُه.
العهدُ القديمُ كانت غايتُه ضبطُ وتنظيمُ سلوكياتِ وعلاقاتِ الناسِ في مملكةِ إسرائيل؛ أمّا العهدُ الجديدُ فغايتُه مملكةُ اللهِ على كل البشر، التي تهدفُ لإشراكِ الناسِ في نعمةِ الحياةِ الإلهَّيةِ، التي تشفيهم من الخطيئةِ والفسادِ والموتِ بالتجسدِ في المسيحِ وقيامتهِ.
الصورُ الماديةُ والحسيَّةُ القاتمةُ التي استخدمتها تعبيراتُ أنبياءِ العهد القديم، يصيرُ امتدادُها في العهدِ الجديد استعارةً وكنايةً وتشبيهًا ونقلةً إيضاحيةً مما هو معلومٌ إلى ما هو غيرُ معلوم، فالنارُ التي لا تُطفَأُ والدودُ الذي لا يموتُ (إش ٦٦: ٢٤) في القديم هي النارُ الأبديةُ المُعدَّةُ لإبليسَ وملائكته. فكيف سيُحرَقُ بالنارِ الماديةِ التي نعرفها الشيطانُ المخلوقُ أساسًا من النار: "الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا، وَخُدَّامَهُ نَارًا مُلْتَهِبَةً" (مز ١٠٤: ٤).
الدِّينونةُ في العهدِ القديمِ هي توقيعُ العقوبةِ على مَن يُدانُ بحكمِ الناموس؛ أما الدِّينونةُ في العهدِ الجديدِ فلها معيارٌ وأساسٌ وتعريفٌ مُغاير: "وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً" (يو ٣: ١٩)؛ فعند استِعلَانِ النورِ الأبديِّ ومجدِ اللهِ في وجهِ يسوعَ المسيحِ عند ظهورهِ في مجيئهِ الثاني، وتراه كلُّ عينٍ (رؤ ١: ٧)، فإنَّ البعضَ عند رؤيته سيتغيَّرُ بنورهِ إلى تلك الصورةِ عينِها: "أَيُّهَا الأَحِبَّاء، الآنَ نَحْنُ أَوْلادُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ، وَلَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ" (١ يو ٣: ٢)، أمَّا البعضُ الآخرُ من أصحابِ الإرادةِ العنيدةِ فسيهربون من مواجهةِ النورِ إلى الظلمةِ الخارجيَّة، وهذه هي الدينونةُ والبقاءُ في الموتِ والظلمةِ والهلاكِ الأبديِ.
لذلك تعلَّمنا من آباء الكنيسة أن نقبلَ ونقرأَ العهدَ القديمَ بعيونِ العهدِ الجديدِ، لا العكس كما يفعل البعض! فنقبلُ كلَّ ما يتَّسقُ مع العهدِ الجديد، أما ما كمَّله العهدُ الجديدُ بنورٍ ووعيٍ ومفاهيمَ جديدةٍ فهو بالنسبةِ لنا ظلالٌ ورموزٌ وتاريخٌ صادقٌ لبشريةٍ كانت تحت الظلمةِ وظلالِ الموت: "لأَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ فَكُتِبَ، كُتِبَ لأَجْلِ تَعْلِيمِنَا، حَتَّى بِالصَّبْرِ وَالتَّعْزِيَةِ بِمَا فِي الْكُتُبِ يَكُونُ لَنَا رَجَاءٌ" (رو ١٥: ٤).

القاهرة
٢٠ يناير ٢٠٢٦

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "لاهوت العهد الجديد" اضغط على الرابط التالي:
https://anbamaximus.org/articles/NewTestamentTheology

Powered By GSTV