مقدمة:
لقد جاءت الأديان محاولة أن تكشف عن ماهية الله وبذلت جهودًا حثيثة حتى تعلن لتابعيها "من هو هذا الإله"، وذلك رغم احتجابه وغموضه حسب إعلان الديانة اليهودية في العهد القديم "كم أنت إله محتجب يا إله إسرائيل"..
هذا ويبقى إعلان المسيحية في العهد الجديد هو الأجرأ على الاطلاق لأن المسيحية تعلن وبمنتهى الوضوح " الله ظهر في الجسد" (1 تي 3: 16)، "الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا، من جهة كلمة الحياة." (1 يو 1: 1)
فقد استطاع إعلان العهد الجديد عن الله والذي تتبناه بالطبع المسيحية أن ينقلنا إلى الجوهر الإلهي ذاته ويتحدث عنه ويوضح لنا ملامحه ....
موضوع المحاضرة:
تتناول المحاضرة "في البدء كان الثالوث" استعراض سريع لأهم الملامح أو المحاور (الأساسية) لإعلان العهد الجديد عن الله
+ نستطيع أن نلخص هذه الملامح فيما يلي:
أولاً: الله نور
ثانيا: الله محبة
ثالثًا: الله واحد أحد
أولًا: الله نور:
* أعلن العهد القديم وحسب الديانة اليهودية أن الله كائن محتجب؛ الله لم يره أحد قط، وقد أكد العهد الجديد على لسان الرب يسوع نفسه لا سمعتم صوته ولا رأيتم هيئته.
"والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي. لم تسمعوا صوته قط، ولا أبصرتم هيئته،" (يو 5: 37)
* استخدم العهد الجديد تعبير «النور» أو «النور الحقيقي» لكي يعبر عن الله؛ فهو النور الساكن في النور الذي لا يدني منه؛ فهو نور حقيقي بمعنى نور أزلي أبدى، لا يدني منه ولا تستطيع خليقته أن تدرك هذا النور الأزلي الأبدي.
* لقد بنى الآباء الأولين في القرون الأولى شروحاتهم لإعلان العهد الجديد عن الله على هذا التشبيه «النور»؛ والذي نحته يوحنا الرائي في إنجيله وأتى من بعده الرسول بولس فيلسوف المسيحية الأشهر وبدا منتظر في رسائله إلى مؤمني كنائس روما وآسيا الصغرى أن لذلك النور بهاء لمجده ورسم لجوهره.
* يعتبر القديس أثناسيوس الرسولي من أوائل الآباء الذين استفاضوا في شرح هذا التشبيه، فقد استطاع أن يوضح حقائق محددة عن ماهية هذا النور، بما أننا نعتمد هذا التشبيه "النور" عن الله، فقد وعينا أنه عندما نتحدث عن النور فنحن نتحدث عن ثلاثة أركان لهذا النور:
أصل النور
شعاع النور
قوة توهج / ضياء النور
فأي نور لا بد له من أصل (مصدر) ولا بد له من شعاع، ولا بد له من قوة توهج، وإذا فقدنا أي ركن من هذه الأركان لم يعد النور بعد نورًا
* إذن أصبح الآن من السهل إدراك أن الله في المسيحية هو نور لا يدني منه؛ ولكن لم تكتف المسيحية بذلك، بل دخلت إلى أعماق وأغوار ذلك النور، ويشرح الآباء الأولين وعلى رأسهم أثناسيوس الرسولي، ويطبق ما قلناه سابقًا على النور: الآب هو أصل النور، والآب هي كلمة سريانية معناها الأصل (أصل الوجود) وليست الأب (Father) بالإنجليزية، ويكون شعاع النور هو الابن المولود من النور، ويكون قوة التوهج هو الروح القدس.
* الآن نحن أمام ثالوث، وهذا الثالوث جراء نتيجة حتمية لاستخدامنا تشبيه النور، فأي نور له أصل أو مصدر، وله شعاع، وله قوة توهج أو قوة ضياء، فهل استخدامنا لتشبيهات أخرى غير النور يخرجنا خارج فكرة الثالوث؟
بالقطع لا نستطيع استخدام تشبيهات أخرى غير التي أنها العهد الجديد نفسه ما دمنا سوف ندرس إعلان المسيحية؛ فقد أعلن العهد الجديد أن الله هو النور الحقيقي. ثانيًا يستكمل العهد الجديد إعلانه عن الابن ويعلن أن الابن هو بهاء مجد الآب ورسم جوهره، إذن هذا توضيح أن الابن مولود من الآب كولادة الشعاع من أصل النور، فلا مجال لاستخدام واعتماد تشبيهات أخرى غير النور لإعلان ماهية الله کما تعلنه المسيحية....
هناك نتائج حتمية لا بد من إيضاحها بما أننا قبلنا أن الله نور كما تعلنه المسيحية وكما شرحنا سابقًا:
1- الآب أصل النور، والابن هو شعاع النور المولود منه، ولأن النور في الشعاع، والشعاع في النور، فالآب في الابن كما أن الابن في الآب: "أنا والآب واحد." (يو 10: 30)
2- لا يوجد فارق زمني بين الآب والابن، لا يمكن أن يكون الآب سابق عن الابن أو الابن لاحق للآب فلا يمكن أن يكون النور موجودًا ما لم يكن شعاعه موجودًا، فكما أن الشعاع دائم الولادة من النور، فالابن دائم الولادة من الآب، فولادة الابن من الأب هي بعينها كما ولادة شعاع النور من أصل النور، إذن ولادة الابن من الآب هي ولادة أزلية أبدية.
3- بالقطع شعاع النور يكون مساويًا لأصل النور، فشعاع الشمس هو مساوٍ لقرص الشمس، وقد أكد المسيح نفسه على ذلك. بقوله الآب الحال في "ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب في؟ الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال." (يو 14: 10)، وهذا ما يؤكد أن الابن مساوٍ للآب وإلا فكيف يكون حال فيه وهو أقل من الآب؟!
4- ولادة الابن من الآب هي ليست قطعًا نتيجة إرادية من الآب لأن يلد الابن، بل هي بالقطع نتاج طبيعي لأن هذه هي طبيعة الله فهي Matter of nature not matter of will
5- الولادة التي تتحدث عنها: ولادة الابن من الآب مختلف جذريًا عن الولادة الإنسانية التي يعطى فيه الأبوان جزءًا لأبنائهم ينمو هذا الجزء بعد ذلك، وهذ خلاف ما يحدث في الولادة من الآب، فالآب يعطى ذاته للابن كاملًا: كما أن الآب له الحياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضًا أن تكون له الحياة في ذاته أي أن الآب أعطى الابن حياته بذاته أي أعطى له ذاته.
"لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أيضًا أن تكون له حياة في ذاته،" (يو 5: 26)
إذن الابن هو الصورة الحية للأصل الذي هو الآب، هو بهاء مجد الآب - هو رسم جوهره
6- الجدير بالذكر أن ولادة النور من النور أي ولادة الابن من الآب هي أزلية أبدية، ولا علاقة لها بولادة يسوع المسيح من مريم العذراء، إذن نحن نتحدث هنا عن ولادتين الولادة الأولى هي ولادة أزلية أبدية وهي ليست كالولادة البشرية التناسلية بل هي ولادة داخل الجوهر الإلهي، هي ولادة النور من النور كولادة الشعاع من مصدر النور، أما الولادة الثانية هي ولادة ناسوت المسيح أي جسده من مريم العذراء، والذى حدث في ملء الزمان لتتميم التجسد، أي تجسد الابن أي شعاع النور الذي أرسله الآب إلى العالم لكى ينير كل انسان في العالم.
ثانيًا: الله محبة:
السؤال الجوهري الذي طالما يوجه للمسيحيين، ما هي أسباب الاصرار الدائم على الإيمان بالثالوث أو ما هو سبب الإصرار على إعلان أن الله في المسيحية هو آب مولود منه ابن ومنبثق منه روح قدس؟ لماذا التعقيد؟ ولماذا لا نكتف فقط بأنه كائن متعالٍ عن خليقته يجلس على عرشه ويصدر شرائعه وقوانينه؟
* الحقيقة الواضحة هي أن المسيحية والتي وُلدت من رحم اليهودية، إذا سلمت بنفس إعلان اليهودية والديانات الأخرى التي لم توضح أي شي عن كينونة الله فما الجديد الذي أضافته للبشرية؟
* هل معنى ذلك أن المسيحية تتبنى هذه الرؤية فقط لمجرد أن تختلف عن باقي الديانات المنتشرة على الأرض، بالقطع لا، فالمسيحية تنطلق من إعلان المسيح نفسه في العهد الجديد عن الله وأنه الآب وهو الابن المولود منه كما قلنا كولادة شعاع النور من أصل النور؛ ولكن هناك ركن جوهري ترتكز عليه المسيحية وهو جزء لا يتجزأ من الإعلان الخاص بها وهو أن الله الكلي غير المحدود لا بد وأن يكون ولودًا، لا بد وأن يلد الابن كما يولد الشعاع من أصل النور وذلك لسبب بسيط وجوهري في نفس الوقت أن إعلان المسيحية عن الله أنه «محبة»!!
* هذا الكائن اللانهائي الذي أعلن العهد الجديد أنه حب/ محبة هو خالق الأكوان فهو كامل وليس فيه نقصان البتة ولا يحتاج الى خليقته، بل على العكس تمامًا خليفته هي التي دائمًا أبدًا في حاجة إليه وإلا كيف يمكنه أن يخلقها وهو غير كامل وفيه نقصان؟
* بما أننا - على اختلاف عقائدنا - ندرك تعالى هذا الإله وكماله، وبما أن المسيحية تعنى أن جوهر هذا الإله هو الحب؛ فلا بد أن يكون هذه المحبة التي تعبر عن جوهره كاملة أيضًا وغير منقوصة. إذن كيف تكون المحبة كاملة في جوهر هذا الكائن المتعالي الكامل ولا تكون في قمة وكمال ممارستها؟
وهل ينتظر هذا الكائن الكامل خليقته حتى توجد لكي تمارس هذه المحبة؟ إذن يكون هذا الإله محتاج لخليقته!!
* مما سبق نستطيع أن نستنتج أنه يجب أن يكون هناك المحب والمحبوب بداخل هذا الكيان الإلهي المتكامل غير المنقوص. ذلك بما أن الجوهر الإلهي هو الحب فذلك يقتضي وجود الآخر المحبوب، ومن أين يأتي هذا المحبوب، منه هو، إذن بسب أن جوهرة حب فائض وبسبب هذه المحبة فلابد أن يلد المحبوب.
* لقد وصلنا إذن إلى أن الله حب، لذلك لا بد أن يكون الآب ولودًا يلد الابن لأنه فيض من الحب، ولأن الآب بطبيعته حب وهو المحب فولد المحبوب الذي هو الابن وبالتبعية فلا بد أن يكون الابن هو أيضًا محب كما أن الآب محب، ومن ثم فالابن المحبوب / المحب نجده متجهًا إلى حضن الآب.
* إذن الآب المحب (أصل النور) يلد النور الابن المحبوب (نور من نور) والنور المولود من الآب هو نور الآب؛ هو مثله "صورته في المحبة" متجه إلى الآب المحب؛ ومن هنا جاء حرف προς باليونانية أي متجه إلى أو عند الآب، كما أن الآب متجه إلى الابن.
* فالكلمة كان عند الله أي متجه إلى الأب لأن الآب متجه بالحب إلى الابن، فبولادة الابن من الآب هو خروج أو فيض للحب من الآب فولد الابن وكذلك الروح القدس هو روح المحبة منبثق من الآب في الابن أي متجه للابن وبهذا اكتملت دائرة الثالوث كما شرح القديس باسيليوس..
* بالقطع إعلان العهد الجديد في منتهى الوضوح عندما أعلن أن الله محبة، وأن الله يريد ويشاء أن ينقل ابناءه إلى ملكوت ابن محبته؛ فشعاع النور (الابن) هو ابن محبة الآب فقد وُلد منه بسبب فيض محبة الأب
ثالثًا: الله واحد أحد:
* ما أكثر الاتهامات الموجهة إلى المسيحية من حيث كونها تبشر بثلاثة آلهة الآب والابن والروح القدس. أو أنها تدعى أن إله المسيحيين هو يحتوي على ثلاثة ذوات أو ثلاثة أشخاص وتنسحب هذه الاتهامات أيضا لاتهام المسيحيين بالشرك بالله الواحد بعكس اليهودية والإسلام الديانتين اللتين بشرتا بالتوحيد في منطقتنا الشرق اوسطية!
* بالقطع ليس صحيحًا أن المـسيحيون يعبدون ثلاثة آلهة أوان إلههم يحتوي على ثلاثة ذوات: وكما شرحنا سابقا أن الابن مولود من الآب وفهمنا معنى هذه الولادة انها ولادة داخل الجوهر الإلهي كولادة الشعاع النوراني من أصل النور، كذلك الروح القدس الذي هو الروح الإلهي
الذي ينبثق من الآب متجها إلى الابن، هذه الولادة وهذا الانبثاق حركتان تحدثان داخل الثالوث بطريقة دائمة أزلية أبدية داخل ذات إلهية واحدة.
* ولادة الابن من الآب وانبثاق الروح القدس من الآب لم ينتج عنه مطلقًا انشطار الذات الإلهية في ثلاثة ذوات كما يدعى البعض إفتراءًا على المسيحية، فالنور وشعاعه وقوة توهجه لهم ذات واحدة لم تتجزأ إلى جزءين أو ثلاثة، وهذا هو سر الثالوث، نحن امام ذات واحدة تحوي ثلاثة أقانيم، ومعنى كلمة أقنوم شخص غير مستقل بذاته أي شخص متكامل ذاته في آخر فالولادة والانبثاق لم ينتج عنها انشطار للذات الإلهية الواحدة فالنور قطعًا لا ينشطر ...
* الولادة والانبثاق حركتان داخل الثالوث قد كونتا صورة حية للأصل (أصل النور - الآب) فالولادة أفرزت الابن الذي هو صورة الآب مطابق للأصل في كل شيء، كذلك انبثاق الروح القدس من الآب يمثل روح الحب بين الآب والابن، وكل ذلك داخل الذات الإلهية الواحدة وهذا هو سر وحدة الثالوث.
* نقطة أخيرة في غاية الخطورة، ربما يتساءل البعض بعد هذا الشرح أنها ذات إلهية واحدة، ولكنها تحوي ثلاثة أقانيم، والأقنوم هو لفظة سريانية وليست عربية ومعناها شخص غير مستقل بذاته، فبالرغم من التأكيد على ذات إلهية واحدة إلا أن المعضلة ما زالت قائمة بإدراج وجود ثلاثة أشخاص داخل هذه الذات الإلهية الواحدة، وحقيقة الأمر أن المسيحيين لا يقولون أيضًا ثلاثة أشخاص!! بل بثلاثة أقانيم في الذات الإلهية الواحدة، وأننا كمسيحين لا نترجم ولا نستخدم كلمة أشخاص أبدا في الخطاب اللاهوتي، ولا شأن لنا بطريقة ترجمة الغربيين لمعنى كلمة أقنوم فكلمة أقنوم (هيبوستاسس باليونانية) واردة في العهد الجديد وترجمتها الدقيقة هي رسم جوهره، إذن هي معناها الدقيق صورة جوهرية (باللغة العربية) وليس شخص غير مستقل بذاته.
الخلاصة:
* دائرة الثالوث المكتملة بالآب والابن والروح القدس هي حركة حياة وحب داخل الثالوث، وليس فقط شعاع نور من أصل النور بالطريقة المادية الجامدة.
* نحن أمام حركة عطاء وانسكاب: الآب أعطى ذاته للابن، ونفس حركة العطاء يقوم بها الابن تجاه الكنيسة
"أنا فيهم وأنت في ليكونوا مكملين إلى واحد، وليعلم العالم أنك أرسلتني، وأحببتهم كما أحببتني." (يو 17: 23)
* لذلك منذ البداية كان الثالوث، في البدء كان الثالوث، كان الحب، العطاء الكلى داخل الثالوث وکما فعل الاب كذلك يفعل الابن أيضاً، فالآب أعطانا ابنه لكي نحيا به، لأن الأب أحبنا فيه فأعطانا ابنه والابن يعطينا نفسه، فكما أعطى الآب ذاته للابن كذلك الابن أيضاً أعطانا ذاته
"وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني، ليكونوا واحدا كما أننا نحن واحد." (يو 17: 22)
"أنا فيهم وأنت في ليكونوا مكملين إلى واحد، وليعلم العالم أنك أرسلتني، وأحببتهم كما أحببتني." (يو 17: 23)
وهذا هو الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي الآبائي الشرقي أننا ندخل في شركة مع الثالوث.
* لو لم يكن الثالوث الآب والابن والروح القدس لم يكن من الممكن أن أصير أنا ابنًا لم يكن ممكنًا أن تنال الكنيسة البنوة، قد صار للكنيسة إمكانية البنوة بسبب أنه في البدء كان الثالوث..