بعدما تحدّى مارتن لوثر سلطانَ البابا والكنيسة عام 1517م، تفجّرت من بعدها ثورةُ الفكر من فلاسفة عصر التنوير ضدّ الكنيسة والدين؛ على أنّ المواجهة بين الفلاسفة والكنيسة لم تنجح في أن تَفُتَّ في عضُد الإيمان والأديان، لأنّ الناس اختارت أن تنحاز إلى جانب الإيمان ضدًّا للفلسفة والفلاسفة، على الرغم من أنّ الشاعر الفرنسي جاك بريفير عبّر عن جوهر المشكلة في عبارته: "أبانا الذي في السماوات، أبقِ فيها"! فما معنى التزام الإنسان بإلهٍ متعالٍ في السماوات، لا يسمع ولا يفعل شيئًا للبشر سوى تسلّط رجاله بالأحكام والفروض على بني الإنسان؟
ما يحدث الآن من حركة مواجهة بين الفكر وعقل الإنسان من ناحية، والموروثات الدينية من الناحية الأخرى، قد أثّر تأثيرًا كبيرًا جدًّا على الأديان ودور العبادة، والشعوب المتزمّتة بأحكام الدين، لأسبابٍ لم يعد من الممكن إيقافها أو طمسها؛ فانتشار المعرفة وسرعة تبادل المعلومات عبر الساتلايت والإنترنت، مع تقدّم الأبحاث التاريخية والإنسانية في تاريخ وأصول الأديان، قد أدّت إلى مواجهة قوية مع الأديان ورجال الدين، وأفضت إلى نتائج لم تكن تتوقّعها السلطات الدينية المتربّعة على عروش الأديان لقرون.
حينما كانت المواجهة بين الفلاسفة والدين في عصر التنوير، انحاز الناس إلى الدين على حساب الفلسفة، ولكن حينما صارت المواجهة اليوم بين العقل وحرية الإنسان مع موروثات الأديان، انحاز الناس إلى العقل وإلى الحرية على حساب الموروث الديني، والقيود والأحكام التي يضعها رجال الدين على الإنسان، مع التهديد بعذابِ نارٍ صارَ يُنفّر الناس من إلهٍ ساديٍّ انتقاميٍّ، ولا يقرّبهم إلى الدين، وصار الإنسان المُنهك بالشقاء والحضارة يُفتّش عن راحةٍ آنية أكثر من القبول بوعد الجنّة البعيدة.
المواجهة فرضت نفسها، وأحكمت قبضتها على عقول الشباب، ودخلت إلى كل مخدعٍ وبيتٍ ومدرسةٍ ومعبد، وصارت التحدّيات الفكرية والأسئلة تنهمر أقصى وأسرع من المطر على رجال الدين الذين يحاولون أن يُشغلوا الشباب بمماحكاتٍ طائفية، لم تكفّ عنهم أسئلة الحضارة واستجوابات العقل والحرية لأفكار الدين الماضوية، التي رُسّخت في عصورٍ خلت، وبين أجدادٍ لم يطّلعوا على ما صار منشورًا من أبحاثٍ وتنقيبٍ وحفريات، تصرخ في وجه الجميع بلا هوادة، تطلب الإجابات.
كثيرٌ من رجال الدين لاذوا بالصمت، وكأنّهم لم يسمعوا أصوات الاحتجاج، بينما احتمى آخرون بالصراع الطائفي وسيف السلطان لترويع شعوبهم وشبابهم الباحث عن الحرية وإعمال العقل، فيما لم يُفضِ التهديد والترويع، أو السكوت والصمت، إلّا إلى مزيدٍ من الخروج من تحت قيود الفكر، وماضوية عباءة الأديان.
برأيي أنّ المواجهة والشجاعة مع الفكر التحديثي وإعمال العقل هي الحلّ الوحيد والأمثل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإعادة صياغة المفاهيم الإيمانية والدينية بطريقةٍ عقلانية وإنسانية وعصرية، وإلّا فالبديل هو ضياع الإيمان والأديان، ومن بعدها سقوط الأنظمة القمعية التي استندت على الدين لإرهاب الإنسان.
بنسلفانيا – أمريكا
١٣ ديسمبر ٢٠٢٥
لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "رأيٌ في الأحداث" اضغط على الرابط التالي:
https://anbamaximus.org/articles/Ra2yFeElahdath