Oct 01, 2021 297
980 79

عظّم العهد الجديد من قيمة الإلتزام بالعمل؛ حتى أن الرسول بولس يقول صراحة: "إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكل أيضاً." (٢تسالونيكي ٣ : ١٠)، ثم ينبه عناية الجماعة المسيحية إلى تقويم سلوك أفرادها الذين يتكاسلون عن العمل، ويهملون واجباتهم والتزاماتهم. "أنذروا الذين بلا ترتيب. شجعوا صغار النفوس. أسندوا الضعفاء. تأنوا على الجميع." (١ تسالونيكي ٥ : ١٤).

وعلى الرغم من الأمثلة الكثيرة التي نبه فيها الإنجيل الإنسان إلى أهمية الاجتهاد والعمل؛ فقد فصل الإنجيل بين الاجتهاد وأداء الواجب واهتمامه الإنساني بعمله؛ وبين حياة الهم والقلق على العمل وعلى القوت والمستقبل. فالبعض يخلط بين الأمانة في أداء العمل وتحمل المسئولية وأداء واجباته نحو نفسه وذويه، وبين حالة التشتت العقلي وحمل الهموم سواء من جهة أداء العمل نفسه أو من جهة مستقبل الحياة والاحتياجات.

من جهة العمل يوصي العهد الجديد المؤمنين العاملين: " وكل ما فعلتم، فاعملوا من القلب، كما للرب ليس للناس" (كولوسي
٣ : ٢٣)، وهذا منتهى التدقيق والأمانة والإخلاص في أداء الأعمال التي يقومون بها كعاملين عند غيرهم وليس أصحاب الأعمال.

ولكن على صعيد الهم والخوف من المستقبل يأتي تعليم المسيح له المجد على النحو التالي: "لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. (متى
٦ : ٢٥). ثم يشرح الفكرة: أليس أن الله قد وهبك الحياة، فإذا كانت الحياة عطية من الله، أفلا يعتني الله بالوقود الذي يدير حركة هذه الحياة!؟
فيقول له المجد: "أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس؟" (متى ٦ : ٢٥)، فهو يقارن بين عطية الله أنه هو أعطاك هذا الجسد الجميل وأعطاك هذه الحياة العاقلة المتميزة بين باقي الكائنات؛ فكم بالأولى أنه سيعتني بهذا الجسد الذي أعطاك إياه ويسدد حاجتك إلى اللباس، وكم بالأولى الذي أعطاك هذه الحياة أن يدبر لك احتياجك من الغذاء؛ ثم يعطينا تشبيهاً آخر من الطبيعة وهو: زهور الحقل التي تنبت في الربيع، قبل أن تتحول إلى ثمرات أو التي تنتهي مع نهاية الربيع، فيقول: كان سليمان في كل مجده لم يستطع أن يلبس ملابس تضاهي جمال زهور الحقل، فإذا كانت زهور الحقل يلبسها الله كل هذا الجمال والبهاء، على الرغم من أنها قصيرة العمر وستصير عشباً يُوقد به بعد ذلك في الأفران، فكم بالأولى الإنسان الذي خُلق على صورة الله في الحكمة وقداسة الحق، كم يعتني الله به وبلباسه وبطعامه.
 "
ولماذا تهتمون باللباس؟ تأملوا زنابق الحقل كيف تنمولا تتعب ولا تغزل. ولكن أقول لكم: إنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها. فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غدا في التنور، يلبسه الله هكذا، أفليس بالحري جدا يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان؟" (متى ٦ : ٢٨-٢٩-٣٠)

ما يعالجه المسيح هنا هو اهتمام القلب واهتمام الفكر؛ الذي على عكس ما يتصور الإنسان أن الاهتمام والتفكير وحمل الهموم يحقق له أي نوع من الإنجاز والأمان!
فإن العكس هو الصحيح أن حمل الهموم والتثقل بالتفكير من الأعباء التي تشتت طاقة الإنسان الذهنية، وتضعف قواه الفكرية وأيضاً قواه الجسدية، فما كان أن ينجزه من إنتاج لو عمل بنفس مستريحة راضية، لم يستطع أن ينتج مثله لو كان كسير القلب مُثقل الذهن بالهموم.

 

فمعنى تعليم المسيح له المجد ليس أن يترك الإنسان عمله ويستلقي مُتكاسلاً على وعد أن الله هو سيطعمه؛ ولكن تعليم المسيح هو أن يهتم الإنسان على قدر طاقته وبكل أمانة بواجباته نحو نفسه وذويه، وبالأمانة نحو عمله؛ ثم إذا قد أتم ما بطاقته وبوسعه يثق بمحبة الآب السماوي الذي يستطيع أن يعين ضعفه وأن يسدد احتياجاته، فيعيش فرحاً مُثمراً نشيط القلب والفكر والجسد، وبنفس الآن مُتكلاً على محبة الله ومُستريح القلب والفكر في عنايته ومعونته للضعفاء والمحتاجين.
"ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحدة؟" (متى
٦ : ٢٧)
 

الشريعة في القديم اهتمت بتنظيم العلاقات بين الناس ومسئولية الإنسان نحو المجتمع والآخرين وحتى نحو حيواناته؛ ولكن موضوع راحة الإنسان الداخلية، وهدوء وسكينة عقله وأفكاره وتسديد احتياجات نفسه وشفاء جرح قلبه، لم تكن الشريعة معنية بها بالقدر الكافي؛ وهذا هو واحد من أبرز اهتمامات تعاليم المسيح في العهد الجديد: بناء الإنسان واسترداد قيمته وكرامته وحريته وصفاء ونضج عقله وراحة قلبه وارتوائه بالمحبة وبالفرح والسلام؛ وهذا هو إنجيل المسيح وعمله العميق في الجوهر الإنساني، ليستعيد إنسانيته وصفاء وقدرة عقله، وأيضاً تحرير قلبه من الهموم ومن الأثقال والاهتمامات التي تجلب الأحزان والأوجاع والأمراض، وحتى يصير قادراً أن يرى الله ويستمتع بمحبته ويُنشئ علاقة معه هي علاقة الابن المحب لأبيه، الذي يحبه الآب السماوي ويغطي احتياجاته ويعتني بها، وأيضاً يملأه بالسلام النفسي وفرح القلب.

الذين لم يختبروا من قبل استجابة الصلاة، أو لم يختبروا تدخل الله في حياتهم لحل المشكلات وتسديد الاحتياجات، ولم يسمعوا عن القصص الكثيرة في الماضي والحاضر عن أعمال الله مع الإنسان لتسديد احتياجاته وحل مشاكله، والتدخل بسلطان معجزي لشفاء أمراضه ونجاته؛ يحتاجون من الآن أن يقرأوا بعناية كلمات المسيح: "لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس؟ (متى ٦ : ٢٥)، وأن يبدأوا من الآن اختباراً حقيقياً لمحبة الله وعنايته، ويبدأوا معه حياة البنين الحقيقيين الخاضعين له والمتكلين عليه.


"لا يَهُمّكُم أمرُ الغدِ، فالغدُ يَهتمّ بنفسِهِ. ولِكُلّ يومٍ مِنَ المتاعِبِ ما يكْفيهِ." (متى ٦ : ٣٤) – الترجمة المشتركة

 

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "المسيح كما أعلنه الإنجيل" اضغط عالرابط التالي
https://anbamaximus.org/articles/JesusAsTheGospelRevealed.php