Sep 10, 2021 179
980 79

الناموس أو (نوموس) كلمة يونانية تعني الشريعة أو القانون؛ وكان موسى النبي الذي قَبِلَ من الله بيد ملاكه في برية سيناء: الدعوة لإخراج بني إسرائيل من استعباد فرعون والمصريين إلى الحرية؛ قد تثقف وتعلم كل فنون الحكمة والحكم كواحد من الأسرة الفرعونية الحاكمة؛ ومن ثم فبعد نجاح الانتفاضة التي قادها لتحرير وإخراج شعبه من العبودية في أرض مصر؛ كان علية أن يسن لهم قوانين وتشريعات تحكم سلوكياتهم واسلوب حياتهم وعلاقتهم ببعضهم وبغيرهم من الشعوب؛ الأمر الذي أجاده الفرعون المُدرَّب بكل حكمة وكفاءة؛ فأخرج لهم وللعالم شريعة مكتوبة متكاملة هي ناموس موسى.

 

إلا أن الفرعون العبراني المُدرَّب، الذي قاد شعبه بدعوة وتكليف من الله (يهوه) إله إسرائيل؛ نَسَبَ تشريعاته بناءً على تكليفه من يهوه؛ إلى يهوه نفسه، بما في ذلك قراراته وأوامره التنفيذية، وكذلك كل الموروث التاريخي الذي سجله في التوراة؛ وعليه فقد نُظِرَ إلى التوراة بمجملها على أنها: أقوال الله التي أملاها على موسى؛ وبسبب هذا التوقير للتوراة؛ أطلق اسم الجزء على الكل فصارت كلمة الناموس تطلق على أسفار العهد القديم؛ حتى أن اقتباسًا للمسيح من المزامير في (يو٣٤/١٠) قال لليهود عنه: "مكتوبا في ناموسكم"

 

الناموس قام بدور التشريع وضبط إيقاع حياة اليهود في القديم بالقوة الجبرية والتهديد الفعلي بالعقوبات الغليظة والتخويف والترهيب من انتقام يهوه من المخطئين: هنا بالعقوبة، وفي الحياة الآخرة بالشواء الأبدي بالنار! دون أن ينجح الناموس في تغيير حياة الإنسان، مع إقناعه بأن قمعية الله هي حق من حقوقه لصالح الإنسان الذي لا يعرف مصلحته؛ حتى أن لفظة "الحرية" لا تُقرأ في التوراة بتاتًا!

 

على أن مقارنة الشعب اليهودي لحالتهم في ظل شريعة ضابطة حاكمة لسلوك الإنسان والمجتمع؛ بالمقارنة مع همجية الشعوب الوثنية من حولهم؛ أورثهم حالة من الفخر القومي والإحساس بالاستعلاء على الآخرين؛ بالرغم من الازدواجية والرياء بين الباطن؛ وظاهر السلوك الإنساني خوفًا من الشريعة؛ فقد ظلت الشريعة مصدر فخر لهم!

 

هذا هو المناخ الذي بدأ فيه المسيح خدمته؛ أن الإنسان كان مُستَعبَدًا مرتين: الأولى للخطيئة؛ والثانية للخوف من بطش الشريعة ومن يهوه نفسه؛ مع ازدواجية ورياء، وافتخار أجوف.

ومن ثم فكان لابد أن يتواجه المسيح مع الناموس من أجل تحرير الإنسان: من الخطية ومن الخوف من عقوبة الناموس؛ ومن ثم فقد كان الحل الذي قدمه المسيح للبشرية: أن يحرر الإنسان من الخطيئة الساكنة في أعماقه؛ وبالتالي يتحرر الإنسان من استعباد الناموس لحريته وإرادته، وأيضا من الخوف من عقوبته.

 

هذه المواجهة الصارخة مع الناموس حدثت تطبيقيًا حينما أتى اليهود إليه بامرأة أُمْسِكَتْ متلبسة بالزني، وقالوا له: أن موسى (الناموس) أوصانا أن مثل هذه ترجم!

المسيح واجه جمهور المُشتكين على المرأة بمواجهة حقيقة أنفسهم "من منكم بلا خطية فليرمها اولا بحجر" فخجلوا منسحبين؛ ثم أفاض من قوة الحياة المطهرة التي فيه على دنس المرأة المتلبسة؛ فلم تعد بعد خاطئة بل مُطهَّرَة من خطاياها، ولم يعد بالتالي للناموس أي حقوق أو سلطان على هذه المرأة؛ فأطلقها حرة من الخطية ومن الناموس موصيًا إياها؛ ألا تعود إلى الخطية.

 

فهل جاء المسيح له المجد ليتمم الناموس؛ أم ليحرر الإنسان من الناموس، ومن الخطية التي فشل الناموس في أن يشفي الإنسان منها؟!

والأكثر من هذا أن المسيح قد أحل البديل محل الناموس: الطبيعة الجديدة وعطية الروح القدس (ناموس روح الحياة) الذي يستطيع به أن يتحرر الإنسان من سلطان الخطية، ويعيش بالقداسة حياة أكمل من مستوى تشريعات الناموس؛ مئات المرات! "لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت" (رو ٢/٨)

 

بهذه المواجهة التطبيقية للمسيح له المجد مع الناموس، سيمكننا فهم التعليم الذي قدمه في الموعظة على الجبل عن الناموس:

  - قيل للقدماء لا تقتل؛ أما أنا فأقول لا تغضب، لا تسب ولا تُحَقِّر

  -قيل للقدماء لا تزني؛ أما أنا فأقول لا تشتهي بعينك

  -قيل للقدماء طَلِّقْ؛ أما أنا فأقول لا تُطلِّق إلا في حالة الزني

  - قيل للقدماء، احلف بصدق؛ أما أنا فأقول لكم لا تحلفوا بتاتًا

  - قيل للقدماء سن بس وعين بعين؛ أما أنا فأقول لا تقاوموا الشر بالشر

  - قيل للقدماء تحب قريبك وتبغض عدوك؛ أما أنا فأقول أحبوا أعدائكم

 

أن يَنقُض (يَهدِم) المسيح الناموس معناه: أن الناموس قال لا تقتل أما هو فيقول: بل أقتل!

أن يتمم المسيح الناموس فهذا معناه أن يحققه ويطبقه.

 

المسيح له المجد لم يهدم الناموس ولم يتممه ولكنه كَمَّلَهُ؛ وهذا هو معنى تكميل الناموس في العبارات أعلاه أنه ارتقى بالإنسان إلى الكمال الذي أنجزَ ما يتجاوز الناموس مئات المرات؛ دون أن يَنقُض أو يَهدِم الناموس بل بالعكس كَمَّلَهُ.

 

 فهل تحرَّر بنوا الملكوت من سلطان الناموس بسلطان الطبيعة الجديدة وقوة القيامة والغلبة على الخطية؛ أم صاروا أبناء مزيفين بالكلام فقط! وصاروا مُدانين بالناموس وبرفض حياة النور؟!

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "المسيح كما أعلنه الإنجيل" اضغط عالرابط التالي
https://anbamaximus.org/articles/JesusAsTheGospelRevealed.php