Sep 07, 2021 94
980 79

اللغة اليونانية التي كُتِبَ بها الإنجيل تُميّز بين الكلمة العاقلة (لوجوس) وبين كلمة الثرثرة أو الدردشة (لاليا) ولهذا فإن استخدام الإنجيل لكلمة (لوجوس)  في الافتتاحية: "في البدء كان الكلمة (اللوجوس)" كانت تعبر عن: أن الكلمة العاقلة هو العقل مُعلنًا؛ أي أنك لا تستطيع أن تدرك عقلي وحكمتي إلا إذا تكلمت إليك، بنفس المعنى أننا لا يمكننا أن نرى النور أو ندركه إلا من خلال شعاع هذا النور؛ فالكلمة (أي كلمة الله) هو شعاع نوره؛ ولأن الله هو الحكيم الأزلي "فكلمة الله" هو حكمته وعقله وقد صار مُعلنًا؛ فهل يمكن أن يكون الحكيم في وقت من الأوقات بدون عقل وحكمة ثم خُلِقَ وأوجد لنفسه عقلاً؟ وبأي عقل صنع لنفسه عقلاً؟! سؤال ممتنع! فعقل الحكيم الحي الخالق؛ أزلي معه كأزليته؛ ولكننا لم ندركه ويُستعلَن لبشريتنا إلا من خلال كلمته، كما أننا لا نستطيع أن ندرك النور إلا بواسطة وتوسط شعاع نوره

ومن ثم فإن تعبير "في البدء كان الكلمة" في افتتاحية التعريف في إنجيل يوحنا هو مرادف لعبارة "كان (النور) الحقيقي آتيًا إلى العالم" وبلغةٍ أبسط؛ فقد أحسنت الترجمة المشتركة في إيضاح الجملة على هذا النحو: "الكلمة هو النور الحق؛ جاء إلى العالم لينير كل إنسان" (يو٩/١)

فالإنجيل يُعلن لنا أن الله نور لا يُدرَكْ إلا بشعاع نوره؛ والله هو الحكيم الذي لا يُعرَفْ إلا بكلمته والله خالق حي بروحه الكلي؛ هذا هو تعريف وتقديم وإعلان الإنجيل عن الله الواحد الكلي الذي يحيط بكل شيءٍ ولا يحيط به شيء؛ وأنه لم يعد محتجبًا عن الإنسان ولكنه صار مُعلنًا للإنسان بكلمته (نوره) مُعطيًا الحياة للبشرية الرازحة تحت الموت بروحه القدوس؛ وهذا تعريف وإعلان جديد وغير مسبوق في اليهودية؛ التي قدمت فكرة عن إله واحد كلي القدرة؛ لكنه إله مُحتجب بعيدًا (أش ١٥/٤٥) وغائب!

بينما استوجب استعلان الله للبشرية؛ فهمًا وإعلانًا جديدًا غير مسبوق عن الله: أنه النور الأزلي اللانهائي؛ نورٌ حيٌ خالق؛ وأننا لن ندرك النور الأزلي إلا بنوره، شعاع نوره المولود من النور الأزلي؛ ولن نحصل على الحياة إلا بروحه القدوس؛ فالنور الجوهري (هو الآب) وشعاع نوره المولود منه، نور من نور (هو الابن) وأما روحه المحي فهو الروح القدس؛ إله واحد كلي القدرة يحيط بكل شيءٍ ولا يحيط به شيءٍ؛ هذا التقديم والتعريف الجديد للذات الإلهية بهذا الوصف: سابق على التجسد وولادة المسيح من العذراء مريم في بيت لحم.

فهل جسد المسيح وإنسانيته؛ جسد مخلوق من الأرض كأجسادنا ويشبهنا في كل شيءٍ ما خلا الخطية وحدها؟ نعم بكل تأكيد، ولكن بشارة الملاك للعذراء مريم قبل حملها به أعلنت: أن كلمة الله وشعاع نوره سيحل (يتجسد) في هذا الجسد الذي سيُخلَقْ ويتكون في أحشائها ليولد منها المسيح.

من هو المسيح إذن حسب الإنجيل؟ هو كلمه الله ونوره متجسدًا في بشرية كبشريتنا؛ أما الإجابة على السؤال لماذا يرسل الله كلمته ونوره متجسدًا؟؛ فالإجابة هي: "الكلمة هو النور الحق، جاء إلى العالم لينير كل إنسان" من المهم أن نلفت الانتباه إلى أن الإنجيل لم يقل عن إرسالية المسيح: أنه جاء لينير "لكل انسان" بل "كل إنسان" المعنى واضح أنه ليس لكي ينير طريقه؛ بل لينير الإنسان نفسه: أنه يهبه نورًا من نوره فيصبح مستنيرًا ومنيرًا به؛ وحياة بروحه القدوس فيحيا بحياته؛ وهذا هو المعنى الفعلي للخلاص والقداسة وكل شيءٍ، وهذه هي الغاية من تجسد النور في جسد إنساني: "أن ينير كل إنسان"

رحلة متابعتنا لقراءة الإنجيل ما زالت طويلة لفهم كل الأبعاد؛ لكن تعبير ابن الله كان ولا يزال غير مفهوم ومستفز لعقول الكثيرين، حتى من اليهود المعاصرين للمسيح!

فكيف شرح المسيح نفسه له المجد المعنى والمغزى للقب ابن الله؛ وكيف أدار الحوار والبرهان؛ هذا هو تكملة حديثنا بمشيئة الله.

لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "المسيح كما أعلنه الإنجيل" اضغط عالرابط التالي
https://anbamaximus.org/articles/JesusAsTheGospelRevealed.php