اعتمادُ المنظومةِ الإيمانيةِ على أيِّ قوى خارجيةٍ لدعمِها وتثبيتِ أركانِها، يُنذرُ بالضرورةِ والحتميّةِ بانهيارِها تَبعًا لانهيارِ المنظومةِ السياسيّةِ أو العسكريّةِ التي اعتمدتْ عليها، أوْ اختلالِ العلاقةِ بينَهما.
على الرغمِ من أنّ مؤسسَ المسيحيةِ أعلنَ منذ البدايةِ: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ."، و "أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ."؛ إلا أنّ التبجيلَ الكثيرَ الذي حَظِيَ به رجالُ الدينِ المسيحيِّ وأساقفتُهُ، أَثْمَرَ تَحولَ السلطةِ الدينيةِ المسيحيةِ إلى سلطةٍ دنيويةٍ - بخلافِ تعليمِ الإنجيلِ - وإلى سلطةٍ شريرةٍ في بعضِ الأحيانِ، انتهى بها الأمرُ إلى تحديدِ سلطةِ البابا في إطارِ الفاتيكان داخلَ الدولةِ الإيطاليةِ.
ويبدو أنّ الناسَ لا يتعلمونَ من التاريخِ، ولكنهم يتنافسونَ في التقليدِ والمحاكاةِ. وقد حاولتِ الإمبراطوريّةُ العثمانيّةُ أن تؤسّسَ خلافتَها على التمييزِ بين المسلمين وغيرِهم من المواطنينَ، وشَرِبْنا الأمرّينِ في مصر من حكمِ العثمانيّينَ مسيحيّينَ ومسلمينَ؛ كما حدث في بلادِ الشامِ وغيرِها، وانتهت وزالت دولةُ التمييزِ وحَلَّت محلها تركيا العلمانيّةُ على يدِ كَمَالْ أتاتورك.
الإحصائيةُ التي أوردها موقعُ جوجل الرسميُّ عن إيران: أنّ خمسمئةَ ألفِ مسجدٍ من أصلِ سبعمئةٍ وخمسينَ ألفَ مسجدٍ -عند قيامِ الثورةِ الإسلاميةِ-؛ صارت الآن مُغلقةً أو مُعطّلةً. وهذه شهادةٌ أخرى معاصرةٌ وجديدةٌ عن نتائجِ أسلوبِ القمعِ الدينيِّ على المؤمنين أنفسِهم، قبلَ أن يكونَ على غيرِ المسلمين: أنَّ الإنسانَ قد امتلك حريتَه وصارَ رافضًا لكلّ أساليبِ قمعِها وامتهانِها باسمِ الإلهِ والإيمانِ والدينِ.
لا أريدُ أنْ أَنتقِدَ ما يحدثُ في مصر؛ لأنَّهُ معروفٌ لكم جميعًا، ولأنني أعرفُ الحقيقةَ من وقتٍ مُبكرٍ، وأعرفُ ما هي القوى التي عرقلت مشروعَ الرئيسِ السيسي، الذي كنتُ واحدًا من العاملين فيه باجتهاد: "تجديدُ الخطابِ الدينيّ". ولأنَّ الواقعَ والحقيقةَ يتوليانِ مهمةَ إصدارِ الأحكامِ نيابةً عن الناس، فإنَّ الإحصائياتِ العالميةَ (سنة ٢٠٠٤) قد سجلت خروجَ عشرينَ مليونَ مواطنٍ مسلمٍ - في مصر - إلى الربوبيةِ أو الإلحادِ أو إلى أديانٍ أُخرى.
ولأنَّ التجربةَ والتاريخَ شاهدانِ على النتائجِ السلبيةِ على الدينِ التي سبَّبها أسلوبُ القمعِ أو التمييزِ مع الإبقاءِ على موروثاتٍ دينيةٍ قد عفا عليها العقلُ والزمنُ؛ فإنَّ تجديدَ الرئيسِ السيسي لقراره ودعوتِهِ؛ لمنعِ التمييزِ الدينيِّ والمساواةِ بين المواطنينَ، هو برأيي طوقُ النجاةِ، ليس فقط لإنقاذِ الوطن، ولكنْ أيضًا لإنقاذِ ما تبقّى من المؤسساتِ الدينيةِ نفسها، قبل أن يحدثَ لها ما حدثَ لمثيلاتِها على مدى التاريخِ.
ولا أظنُّ أنَّ مشروعَ الرئيسِ السيسي سيُحقق النجاحَ بدعوتِهِ منفردًا بدون تأييدٍ وهَبّْةٍ شعبيّةٍ من الأفرادِ والمؤسساتِ السياسيةِ، والإنسانيةِ، والنيابيةِ، وكلِّ القوى المُعبِّرةِ عن الإنسانِ المصريِّ. وأظنُّها الفرصةَ الأخيرةَ أمام المصريين للنجاةِ من المصيرِ الذي لحقَ بغيرِنا؛ فإمّا أنْ ندعمَ الرئيسَ وننجحَ مسيرةَ التقدمِ والتجديدِ ومحوِ التمييزِ، وإمّا المصيرُ المحتومُ الذي حدثَ للآخرين.
القاهرة
٢٦ يناير ٢٠٢٦
لمتابعة المقالات السابقة من سلسلة مقالات "رأيٌ في الأحداث" اضغط على الرابط التالي:
https://anbamaximus.org/articles/Ra2yFeElahdath