Jul 29, 2021 307
980 79

من المفيد أن يتجاوز القارئ المتحضر الفكرة التي انحدرت إلينا من أجيال سابقة عاشت ظروف حضارية مختلفة فيما يخص موقفها من أديان الآخرين: بالرفض أو الإقلال من شأنها؛ وسأعقد المقارنة هنا بين اليهودية والمسيحية كمثال؛ فبما أن كنيستي تقبل الكتاب المقدس بعهديه؛ فهذا يعطيني الحق في المقارنة بين العهدين القديم والجديد. 

المسيحيون يعترفون باليهودية؛ فيما يهرطق اليهود المسيحية والمسيح نفسه له المجد! وتتناقض كذلك أيدلوجية الديانة اليهودية مع المسيحية تمامًا! ثم يتبادل الجميع الاتهامات: ما هو الدين الصحيح ومن ثم فما عداه هو الخطأ! حتى في داخل المسيحية نفسها ترى بعض الطوائف أنها هي الصواب وما عداها هو الخطأ؛ وعلى هذا النهج صار الحكم والصراع بين الأديان المختلفة.

 أدرك جيدًا من خلال دراستي للكتاب المقدس: أن اليهودية مختلفة عن المسيحية في أغلب التشريعات ما عدا الإيمان بإله واحد خالق للكون! فماذا كان موقف المسيح من اليهودية؟ إجابته الحاسمة: لن أهدم اليهودية (ما جئت لأنقض الناموس أي الشريعة) ولكن أقدم جديدي للبشرية (بل لأكمل)؛ ومن هنا تعايش المسيحيون مع اليهودية؛ وهذا هو منهج المسيح مع الديانات الأخرى؛ لم يكفر أو يهرطق أحدٍ أو يسعي لهدم معتقدات الآخرين؛ فيما قدم هو أسلوبًا جديدًا ومغايرًا تمامًا لعلاقة الإنسان بالإله؛ ليس المجال الآن للأسف على حال المبشرين والدعاة من أبناء الوطن الواحد الذين يعتبرون الهجوم على معتقدات غيرهم نوعا من البطولة؛ الغبية بالأسف! ولكن المجال هو: فهم نهج المسيح مع المختلفين؛ ولماذا لم يخطئ أو يكفر معتقدات الآخرين؛

ومن هنا فإن المقارنة بين اليهودية وعهدها القديم مع المسيحية وعهدها الجديد ليس معناه الحكم بالصواب والخطأ كلٌ على الآخر؛ ولكن لكل ديانة منهجها وأساسها وأيدولوجيتها المختلفة عن الآخر؛ ففيما تقوم اليهودية على أساس الشريعة (الناموس)؛ فإن المسيحية التي لم تهدم الناموس؛ لا علاقة لها بالناموس على الاطلاق؛ لأنها تتأسس على أساس آخر هو شخص المسيح نفسه؛ الذي تعتقد أنه: النور الأزلي متجسدًا في بشريته؛ فالديانة اليهودية ديانة شريعية وهذا هو الأساس الذي تبني عليه ايديولوجيتها؛ بينما المقابل للشريعة في المسيحية: هي الطبيعة الجديدة التي يهبها المسيح بسلطانه للإنسان (حسب المعتقد المسيحي)

ومن ثم فبحسب منهج الإنجيل فإن الإنسان يختار المنهج والإيمان الذي يقتنع به؛ دون أن يسب أو يهين أو يهدم معتقدات واختيارات الآخرين.  

كانت هذه المقدمة الطويلة؛ حتى أشرح فكرة الجنة والنار من المنظور المسيحي؛ الذي أعرف جيدًا أن كثرة من المسيحيين نشأوا على المفهوم اليهودي؛ بما في ذلك أنا! وطبقا للقاعدة التي بدأت بها حديثي فإن شرحي للمفهوم المسيحي للجنة والنار لا يعني تخطئة اليهودي.

والبداية هي من إيضاح أن جنة أدم وحواء المذكورة في التوراة؛ كانت على هذا الكوكب الذي نعيش عليه؛ في منطقة واقعة بين العراق وإيران حاليًا؛ وأما جنة الآخرة في الإنجيل فهي السماء ومن ثم فلا يوجد فيها أكل وشرب ولا زواج أو أي من مظاهر الحياة على الأرض ولكنها بنص العهد الجديد: "فرح وبر وسلام في الروح القدس"

الديانة اليهودية تأسست على الشريعة الموسوية كأوامر إلهية واجبة النفاذ؛ وبالتالي لابد أن تصحبها العقوبة التي توقع على المذنب هنا على الأرض بحسب الشريعة أو في الآخرة أو بكلا العقوبتين معًا؛ وموضوعنا الآن محددًا هو عقوبة الآخرة "جهنم النار"؛ وعلى الرغم من أن كلمة جهنم في العبرية "جي هنوم" وهو وادي بن هنوم؛ المستعر بالنار(كانت محرقة النفايات) إلا أن فكرة وعقوبة النار واضحة ومؤكدة المعني في الموروث اليهودي: "ويخرجون و يرون جثث الناس الذين عصوا علي لأن دودهم لا يموت و نارهم لا تطفأ ويكونون رذالة لكل ذي جسد" (أش ٢٤:٦٦) وعلى الرغم من أن الإنجيل استخدم كلمات جهنم والنار؛ إلا أن أيدلوجية الإنجيل وصفات النار كما يصفها العهد الجديد؛ تختلف وتتناقض تمامًا مع صفات النار المادية التي نعرفها؛ كما أن ايدلوجية الديانة التي تقوم على الشريعة تستوجب العقوبة التي يوقعها كل من الله والإنسان على المخطئ؛ بينما أيدلوجية العهد الجديد تقوم على المسيح كوسيط العهد الجديد بين الله والناس؛ فمن له المسيح يكون فعليًا في الحياة؛ ومن ليس له المسيح فهو خارج الحياة الأبدية؛ وهذا هو تعريف غضب الله والنار الأبدية

النار الأبدية طبقًا للعهد الجديد ليست النار المادية التي نعرفها بتاتًا!

وليس أن الله المحب هو الذي يعذب ويلقي الناس في هذه النار الجهنمية أيًا كان وصفها؛ لكن إبليس القتال هو الذي له سلطان الموت (عب١٤:٢) وهو الذي بعدما يقتل له سلطان أن يلقي الروح والجسد كليهما في جهنم (لو١٢: ٥) بل أن النار الأبدية هذه هي حالة إبليس نفسه (مت٢٥: ٤١) الذي سيأخذ معه إلى ناره؛ الذين يختارون بحرية إرادتهم أن يكونوا تحت إمرته وسلطانه بطاعة مشيئته الشريرة.

الخلاصة حسب الإنجيل: إنها حرية اختيار الإنسان لمن يحبه؛ التي تجعله ملتصقًا به في هذا الدهر؛ ومن ثم سيظل متحدًا وملتصقًا به و"مشرف عنده" في الدهر الآتي؛ ومن ثم فمن فيه السلام والبر والفرح في هذا الدهر؛ فهذا هو ما سيكون معه وله في الدهر الآتي؛ وكذلك من يخنقه في كل يوم الضيق والحزن والاكتئاب فستكون هذه حالته وإلى مزيد من هذا الشقاء في الدهر الآتي؛ وهذه هي النار الأبدية التي لم يلقه فيها أحد؛ ولكنه هو الذي ذهب بإرادته إلى جحر الأفاعي.